الرئيسية / أعمدة الجسور / جرائم القتل و الاغتصاب بين سوسيولوجيا الجريمة و المطالبة بالإعدام (الجزء الثاني)

جرائم القتل و الاغتصاب بين سوسيولوجيا الجريمة و المطالبة بالإعدام (الجزء الثاني)

دنيا الحبشي.

” أنا أسماء ارتأيت أن أشارك قصتي بإسم مستعار، يحمل في معانيه إسم كل ضحية مثلي ، ولأنني و بكل صراحة لا أكاد أن أتخيل ردة فعل أفراد أسرتي إذا علموا أن إبنتهم تم الإعتداء عليها جنسيا خلال طفولتها من أشخاص من المحيط العائلي ، بل إن عدد الأشخاص الذين اعتدوا علي قد تجاوز 10 أشخاص ، وليس من طرف ذكور فقط وإنما إناث أيضا كلهم من الأقارب ،وما يحز في نفسي أنني أراهم تقريبا بشكل يومي ليس إختيارا وإنما مجبور أخاك لا بطل …

كما أنني لازلت أتذكر عندما كنت أملك من العمر ست سنوات كنت ألعب في حينا الفضاء الترفيهي الوحيد الممتع المخيف ، حيث تحرش بي أحد الوحوش وأراد أن يستدرجني إلى مكان لا أذكره اللحظة لكي يغتصبني أو يفعل بي ما يشاء بعد ذلك ، لكنني امتنعت…!! لا أعرف هل هي الفطرة السليمة التي نبهتني و جعلتني أتخلص منه بذكاء وأهرب إلى البيت على وعد مني إليه أنني سأخرج بعد ذلك و ألتقي به ؟! أم هو ذكاء و فطنة ؟! لكن الغريب المستفز أنني لم أخبر أسرتي بالأمر ولا أي شخص من قريب أو بعيد ، بل هذا ناتج عن ثقافة العنف و القمع التي ترعرعنا فيها …

أنا اليوم في سن الخامسة و العشرين ، لم أتحرر بعد من هذه الإعتداءات ، بل إنها رسمت الخوف و الرهاب الإجتماعي في ملامح شخصيتي ،و خلفت آثارا سلبية على نفسيتي…أنا أسماء أنا أختك ، إبنتك ، ربما أنت …أنا أحد الأفراد الذين اغتصبت براءة طفولتهم لمرات عديدة و متكررة بطرق وحشية لاإنسانية.. أنا هنا لأسمع المجتمع المغربي المسلم قصتي ، أنا صوت كل الضحايا الصامتين الذين لم تحتضنهم الإحصائيات و العيادات العلاجية لعلي بذلك أجسد واقع حالنا ،و أسهم في حماية آلاف الأطفال من الإعتداءات الجنسية “.

تعد واقعة أسماء غيض من فيض ،فالعديد من الأطفال في المجتمع المغربي يعانون الويلات في صمت مميت مثل معاناة أسماء خوفا من الفضيحة والعار ، مما جعلهم يمثلون الرقم الأسود لكل الإحصائيات ،و مما لا شك فيه أن وقائع هؤلاء الأطفال المسكوت عنهم لا تقل أهمية عن واقعة الطفل عدنان أو الطفلة نعيمة وكذا واقعة فتيات سلا ، بل إنها تكرس واقعنا الحالي الذي نشجبه و ندينه ثم نستنكره ، ونلهو بعد ذلك بمسرحيات تافهة و كأننا نلعب الشطرنج !!!

كشفت رابطة علم النفس الأمريكية في إحدى الإحصائيات أن فتاة واحدة من كل أربع فتيات على الأقل و ولد واحد من كل ستة أولاد يتعرضون للإعتداء الجنسي في فترة حياتهم ما قبل سن الثامنة عشرة ، و10% من هؤلاء الأطفال يكونون في سن ما قبل الدراسة ، و 82% من الإعتداءات وقعت في أماكن يفترض أنها لا تهدد أمن الطفل ، و 50% من جميع الإعتداءات حدثت إما في منزل الطفل أو المعتدي ، و 90% من هذه الحالات يكون فيها المعتدي قريبا من الطفل ، أما الغرباء فهم الجناة بنسبة 10% من حالات الإعتداء ، وفي سنة 2018 سجلت النيابة العامة 2800 إعتداء جنسي ، و 536 حالة إغتصاب لقاصرات ، و 1757 هتك عرض بالعنف ، و 523 هتك عرض بدون عنف ، كما لا ننسى بعد ملامستنا هذه الأرقام ما يحمله واقعنا من وقائع مسكوت عنها من قبيل واقعة أسماء التي لم يصل صوتها إلى النيابة العامة ، فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين.

إن المطالبة بالإعدام أو الإخصاء أو بعقوبات بديلة هو السجال الذي يطفو فوق السطح في كل مرة يستيقظ فيها الرأي العام على وقع جريمة إغتصاب جديدة ، وهذا ما شهدناه في عدة وقائع على رأسها واقعة عدنان ، حيث انتشر الخبر كالنار في الهشيم و تحول سريعا إلى حديث الرأي العام ،و بعد أسبوع من الحدث خمدت النار و ظلت منابع الإجرام كما هي عليه ، فإن مطالبتنا بالإعدام أو غيره كالأرض الفلاة ، و لا ينفي هذا الأمر أن المقاربة القضائية أو القانونية لها أهمية كبرى في التصدي لهذه الجرائم ،و لكن المقاربة القانونية هي معالجة بعدية لاحقة تتدخل زجريا بعد إرتكاب الجريمة ،كما لا نستنكر دورها الإستباقي و الذي يتمثل في الردع العام ،و لكن ما يلزمنا للوقاية من هذه الجرائم مقاربة معالجة وشاملة ، وليس فقط أن نوفر إطارا قانونيا زاجرا أو رادعا.

ومما لاشك فيه أن الخطوة الأولى لوضع مقاربة وقائية شاملة تستدعي ضرورة فهم التغيرات السوسيولوجية و الديموغرافية التي عرفها المجتمع ،وهذا ما أكده السوسيولوجي عبد الرحيم العطري بقوله :” لدينا اليوم متخصصون في سوسيولوجيا المسنين ، الجريمة ، العادات الغذائية …السوسيولوجية بخير وتشهد طفرة في الإصدارات و النقاشات ، لايمكن فهم الواقع فقط بصوت السياسي و التقنوقراطي بل أيضا بصوت التحليل العلمي السوسيولوجي…”.

كما يجب الإقرار بأن هذه الجرائم هي نتاج واقع مجتمعي و نتاج لقنوات التنشئة الإجتماعية ، الأمر الذي تؤكده علاقة الفرد بالمجتمع ،كما أقرها عالم الإجتماع نوربرت إلياس في كتابه مجتمع الأفراد:”يمكن تشبيه علاقة الفرد بالمجتمع بالعملة النقدية ، حيث يكون الفرد هو العملة المطبوعة و الآلة الطابعة في نفس الآن ” وبالتالي يجب ضرورة مراجعة التنشئة الإجتماعية و البرمجة الثقافية لتغيير التربة ،و إستئصال هذه الجرائم التي تقرع وجودنا و تهدد مصيرنا من جذورها ،وكذا بناء وعي مجتمعي يخترق صفوف النخب الفكرية و السياسية و الإجتماعية ليتحول إلى طاقة مجتمعية عامة يتعالى فيها الإنسان على وضعه البشري ، و يصبح بذلك فاعلا يعطي لوجوده المعنى الذي يريده دون المس بجوهره الداخلي و الثابت فيه و خاصياته الأخلاقية السامية التي يتميز بها عن مجرد الفرد الطبيعي ( الكائن الحي) والتي تبني إنسانيته ، فكفانا صنعا للمجرمين.

رحلة الألف ميل تبدأ بإختيار حذاء جيد ، والحذاء الجيد هو قراءة المجتمع و نقده جيدا ، لدينا أكثر من حصاة في أحذيتنا يستوجب إستئصالها للأسف !!!

عن imane rachidi

شاهد أيضاً

كورونا يقتل 50 مريضا ويصيب 4115 حالة جديدة

رصدت المنظومة الصحية الوطنية، اليوم الأحد، إصابة 4115 حالة جديدة بفيروس كورونا المستجد، مؤكدة 50 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *