الرئيسية / أعمدة الجسور / المناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية

المناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية

نوال بروحو : باحثة بسلك الدكتورة بطنجة.

” تحتل البيئة موقعا متقدما في جدول الأعمال الدولية ، حيث تحققت انجازات هامة منذ مؤتمر استكهولم 1972، الذي عرض فيه أهم المشاكل البيئية البشرية وأثار الانتباه أن التقدم التكنولوجي والصناعي الذي ا صبح يعرفه العالم يعتبر سببا حقيقيا لمشاكل بيئية حادة ” .مما جعل العديد من الباحثين البحث عن الحلول، وذالك عبر تكتل جميع الدول العالمية لتخفيف من هذه الظاهرة التي تعاني منها جميع الدول. “ومفهوم البيئة هي كل ما يحيط بالإنسان، ويتفاعل مع عناصره، ومن هنا فإن موضوع البيئة لا يهم فقط الجوانب الطبيعية، بل كل ما يقوم به الإنسان . ” و المناصفة البيئة أنواع منها العالمية والدولية والوطنية والجهوية ، لكن ما يهمنا هو موضوعها الجهوي . “والجهة في الاصطلاح القانوني مفهوم حديث يرتبط ظهوره في الدول الليبرالية بالعمل الديمقراطي وواحد من روافده الأساسية للامركزية ، لذالك يشار إليها في الدساتير العصرية على أنها جماعة ترابية اللامركزية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلاليين الإداري والمالي ” . أما التعريف الدستوري لسنة 2011 في الباب التاسع في الفصل 135 الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات .
و الجماعات الترابية أشخاص معنوية خاضعة للقانون العام ، اذ تسير شؤونها بكيفية دمقراطية، و تنتخب مجالس الجهات والجماعات بالاقتراع العام المباشر”، وتعتبر المناصفة البيئية الجهوية للمملكة المغربية من أهم أبراز التحديات الأساسية الراهنة التي تراهن عليها جل الدول وخصوصا الدول المتقدمة ، حيث أصبحت ضمن جميع برامجها التشريعية ، قصد تحقيق عدة اهداف، لكن أحيانا يصعب الالتزام بهذا النظام نظرا لتموقع كل جهة ، وكذا موقعها الجغرافي الذي يتطلب نسق وفق متطلباتها.
الإشكالية الرئيسية:
ما مدى استعمال الجهات المغربية إمكانياتها المختلفة لتحقيق المناصفة البيئية الجهوية لخلق الاستثمار الوطني ؟
التساؤلات الفرعية:
ـ ما هو التعريف الذي يمكن إعطاؤه للمناصفة البيئية ؟
ـ متى ظهر مفهوم المناصفة البيئية ؟
ـ ما هو التـأطير الدستوري والقانوني للمناصفة البيئية ؟
ـ ما الأثر الاقتصادي للمناصفة البيئية على مستوى الجهات المغربية؟

لقد ظهرت المناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية ، تحديدا عندما صادق المغرب على الوثيقة الدستورية فاتح يوليوز 2011 ، ولم تأتي المناصفة البيئية من فراغ ، بل جاءت ما كانت تعاني منه بعض الجهات ، من فوارق شاسعة على مستوى البنيات التحتية ووسائل النقل الحديثة العمومية ، التي تراعي مجموعة من المعايير المحددة في سلم التنمية البشرية الوطنية والدولية .
ويمكن الجزم أن المناصفة البيئية ليس لها تعريف دقيق، بل تبقى جل التعارف محددة حسب ما قدمه أي باحث في هذا المجال، لكن سنحاول إعطاء تعريف المناصفة البيئية وفق المعاير التي نراها .

التعاريف المختلفة للمناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية

التعريف الطبيعي التعريف الاقتصادي التعريف الاجتماعي التعريف اللوجستكي

كل ما من شأنه الرفع بالموارد الطبيعية الغبوية التي تمييز كل جهة على حدى ، رغم وجود مميزات طبيعية تختلف من جهة لأخرى ، وذالك منه ما هو طبيعي لا دخل للإنسان فيه ومنه ما أنتجته البشرية . وهنا نرى تقاطع كبير بين باقي التعاريف السابقة التي أعطيناها . ثلة من المؤسسات الاقتصادية الوطنية والدولية تقدم تمويلات مالية هدفها المحافظة على البيئة الجهوية بين جميع الجهات ، قصد الاستثمار في الموارد الطبيعية على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة محمد السادس للمحافظة على البيئة وصندوق النقد الدولي . مجموعة من الفئات الاجتماعية الجهوية تستفيد من خدمات اجتماعية متنوعة تقدمها الدولة والمؤسسات العمومية وجمعيات المجتمع المدني للفئات الهشة في المجتمع ، شريطة انتماءها لها ، وتكون هذه الأخيرة أكثر عرضة للتشرد والانحراف بسبب عدم وجود سكن لائق بها ، مما تتدخل المؤسسات المعنية لضمان العيش الكريم للفئات الهشة في مجتمعاتنا المعاصرة والوقاية من الملوثات البيئية الناتجة عن الحياة البشرية . استفادة جميع الجهات المملكة المغربية على قدر التساوي من جميع وسائل النقل الحديثة البيئية ذات جودة ، وتكون اقل تلوثا انطلاقا من خصوصياتها وموقعها الجغرافي الذي تمتاز به .

الخلاصة الإستنتاجية للتعارف المختلفة للمناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية

التعريف الطبيعي التعريف الاقتصادي التعريف الاجتماعي التعريف اللوجستكي

يصب في عنصرين أساسيين: العنصر الأول: المميزات الطبيعية لكل جهة التي لا تعنى بالاصطناعات البشرية وهذا ما لا يمكن تحقيقه من المناصفة الجهوية بين الجهات العنصر الثاني : يعنى بالاصطناعات الجهوية البيئية من خلال مجمل المؤهلات التي تتوفر عليها . يهم الجانب الاقتصادي الذي يعتبر من أهم الأساسيات الأساسية لإنجاح المناصفة الجهوية قصد الاستثمار في مختلف الموارد الطبيعية . يخص فئات اجتماعية هشة تعاني من عدم وجود سكن لائق بها والتي تكون مهددة في حياتها الاجتماعية مما تضطر المؤسسات المعنية التدخل حفاظا على البيئة البشرية. يعنى بوسائل النقل الحديثة التي تساير تطور المجتمع ونضجه بأهمية المحافظة على البيئة الجهوية من التلوثات الناجمة عن وسائل النقل .

فالتعارف الأربعة أبانت أن المناصفة البيئية الجهوية بين الجهات المملكة المغربية يمكن تحقيقها فقط ما هو من صنع الإصطناعات البشرية أما ما هو طبيعي يظل يندرج ضمن المميزات الجغرافية والطبيعية التي تتدخل عدة قوانين لتأطيرها لعل أهمها القانون الدستوري والقانون التنظيمي، هذا على مستوى القوانين الوطنية ، أما على مستوى الدولي المعاهدات والمواثيق الدولية للدول الكاملة السيادة ، لكن سنقتصر فقط بالحديث عن القوانين الوطنية لمعرفة أثر القانون الدستوري والتنظيمي في تحقيق هذه المناصفة. مما لا شك فيه أن التأطير الدستور كان ويظل منذ العصور الأولى لإصداره بدءا بأول دستور للمملكة المغربية 1961 إلى دستور 2011 الوثيقة البشرية القابلة للتغير متى أرادت السلطات الحاكمة والشعبية وفق متطلبات مجتمعية مختلفة ، ومميزاتها أنها تبين مجمل العلاقات التي تكون بين جميع المؤسسات الوطنية والدولية ما عليها من واجبات وما لها من حقوق اتجاه أي فاعل في مجتمعا تنا المغربية والدولية ، وما دام الأمر هنا يعنى بالمناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية جاء دستور 2011 في الباب التاسع في الفصل 142 بصيغاته المباشرة من خلال العبارة الآتية التي استعملها ” التقليص من التفوتات بينها ” “من البنيات التحية الأساسية والتوزيع المتكافئ للموارد البشرية وذالك باحداث صندوق التأهيل الاجتماعي في مجال التنمية البشرية ” التي أصبحت من ضمن الأولويات في جميع المواثيق والتشريعات العالمية .
لكن ما يلاحظ على مضامين الفصل الدستوري 142 أن المناصفة البيئية لا يمكن أن تكون دائمة، بل تبقى محددة بأجل تبرمجه الجهات المعنية، مما يقودنا إلى الإقرار أن المناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية تبقى رهينة بمدى توفر الموارد المالية لهذا الغرض وهذا يقودنا إلى البحث عن الإمكانيات الأخرى الغير الدستورية لتحليلها والبحث فيها عن مدى قدرة القانون التنظيمي للتلوث في استحضار المناصفة البيئية بين الجهات وحمايتها من طرف الجهات المسؤولة.
إن الهدف من إصدار أي قانون لا يأتي إلا بأهداف مسطرة تبرمجها السلطات التشريعية ولعل المبتغى الأساسي الذي جاء به قانون 03ـ13 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء يهدف إلى الوقاية العامة والخاصة من جميع الانبعاثات والملوثات الجوية التي تسبب أضرارا مختلفة على الحياة العامة بجميع أشكالها ، فالتلوث هو ضرر جوي ناتج عن ممارسة أنشطة معينة تلحق أضرار مختلفة لا يمكن التحكم فيها إلا بمراقبة هذه الأنشطة من طرف السلطات المعنية ، وتختلف من جهة إلى أخرى وحسب نوع الأنشطة التي تمارس من طرف الممارس وللحد نسبيا من مجمل هذه التلوثات الناتجة عن هذه الممارسات جاء قانون 03ـ13 بعقوبات زجرية وكذا الاجالات القانونية الواجب تقديم الشكاية والمحددة في “تسعين يوما يقدم فيه طلب للجهة المختصة للبحث في الأمر شريطة إرفاق طلبه بخبرة طبية وتبلغ نتائج البحث للطالب المعني داخل اجل ستين يوما ” .
إن ما يمكن الإقرار به أن الإمكانيات القانونية و التنظيمية لمكافحة تلوث الهواء بين جهات المملكة والسعي نحو المناصفة البيئية حاضرة في جميع التشريعات الوطنية ، فقط يبقى الأمر هنا مرتبط بمدى تفعيل المقتضيات الدستورية والقانونية في حياتنا ، سواء كنا أفرادا أو مؤسسات .
فأحيانا الحاجة الملحة للاقتصاد كان ولازال امرا أساسيا في جميع الأنظمة لخلق الاستثمار الوطني الذي يعتبر المنبع الأساسي للحياة الاقتصادية، وهذا ماجاء في نص الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الوزير الأول في موضوع التدبير اللامتمركز للاستثمار ” فانك تعلم مدى عزمنا الوثيق وعملنا الدؤوب على إنعاش الاستثمار والنهوض به باعتباره وسيلة فعالة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مؤكدين في عدة مناسبات على دوره الحيوي كمحفز أساسي للنمو ولاسيما في دعم مشاريع المقاولات الصغرى والمتوسطة في الصناعة ومجالات الصناعات المرتبطة بالإنتاج الفلاحي والمعادن .”
فالاستثمار البيئي بين جهات المملكة المغربية أداة اقتصادية ناجعة تخلق نوع من التحفيز المالي ، وهذا منصوص عليه في الأنظمة المالية حيث جاءت في مضمون المادة 58 “يؤسس بموجب نصوص تطبيقية لمقتضيات هذا القانون والقانون الإطار رقم 95ـ 18 بمثابة ميثاق للاستثمار نظام للتحفيزات المالية والجبائية لأجل تشجيع الاستثمار وتمويل المشاريع الهادفة إلى حماية البيئة واستصلاحها ” .
لاشك أن النمو الاقتصادي الذي عرفه المغرب ” خلال العقود الأخيرة شكل ضغطا كبيرا على البيئة ، ومما زاد من حدة هذا الضغط ظاهرة التغيرات المناخية وندرة وهشاشة الموارد الطبيعية ، مما تسبب في تدهور الوسط الطبيعي وتعدد مظاهر التلوث المهددة لصحة السكان ومن هذا السياق قدرت الجهات المسؤولة عن قطاع البيئة 2009 تكلفة الأضرار الناجمة عن التدهور البيئي بما بزيد 13 مليار درهم سنويا أي 7،3 في المئة من الناتج الداخلي الخام من حين تقدر تكلفة حماية البيئة ب 8،1 في المائة من هذا الناتج بينما النفقات العمومية لصالح البيئة لا تتجاوز 7، 0 في المائة ” .
فخلاصة القول أن تحقيق المناصفة البيئية بين جهات المملكة المغربية انطلاقا من إمكانياتها الدستورية و التنظيمية و المالية في مجتمعاتنا المغربية يمكن تحقيقها لما تتضافر جميع الجهود الجهوية البيئية ووعي المجتمع بأهمية البيئة وما لها من منافع اقتصادية و اجتماعية و صحية على البشرية ، فلما يغيب الوعي الاجتماعي بالأهمية الكبرى التي تحتلها المناصفة البيئية حينها ينعدم الحديث عن هذه المناصفة مما نطرح سؤالا لجل الباحثين في هذا المجال .
إلى أي حد استطاعت الأنظمة السياسية تكريس المناصفة البيئية في برامجها التشريعية ؟ .

عن imane rachidi

شاهد أيضاً

وزارة الأوقاف: لا صلاة عيد هذا العام

حسمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في عدم إقامة صلاة عيد الفطر، بسبب التحديات التي يفرضها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *