جميلة العراك.
في 14 يناير 2025، يحتفل الأمازيغ في جميع أنحاء العالم برأس السنة الأمازيغية، والمعروفة بـ “أسكاس أمباركي”، الذي يُعتبر بداية للسنة الأمازيغية الجديدة. يمثل هذا اليوم فرصة هامة للاحتفال بالتراث الثقافي العريق للأمازيغ، الذي يمتد لآلاف السنين ويعكس العلاقة العميقة بين الإنسان الأمازيغي والطبيعة.
تعتبر احتفالات رأس السنة الأمازيغية، أو “يناير”، حدثًا ثقافيًا واجتماعيًا بارزًا في المغرب والمناطق الأمازيغية الأخرى عبر شمال إفريقيا. هذا الحدث يعكس الأصالة والتجذر العميق للهوية الأمازيغية في تاريخ المغرب، التي تمتد لآلاف السنين، حيث ان الأمازيغ هم السكان الأصليون للمنطقة. وتجمع الاحتفالات بين الأبعاد التاريخية والرمزية التي تعبر عن الصمود الثقافي والتواصل المستمر مع الأرض والطبيعة.
الاحتفالات بهذا اليوم تحمل دلالات عميقة لا تقتصر على كونه مجرد مناسبة تقويمية فقط، بل هو رمز للارتباط بالجذور الزراعية للأمازيغ، حيث يوافق هذا اليوم بداية الموسم الزراعي، وهو ما يعكس أهمية الزراعة في حياة الأمازيغ. وتتنوع العادات والتقاليد المرتبطة بالاحتفال برأس السنة الأمازيغية، إذ تشمل تحضير الأطباق التقليدية مثل “الكسكس” و”الطاجين” مع إضافة لمسات خاصة، بالإضافة إلى تنظيم المسابقات الفنية والعروض الثقافية.
وتجسد الاحتفالات كذلك الرعاية الملكية السامية التي توليها الدولة للثقافة الأمازيغية. فبموجب الدستور المغربي لعام 2011، تم الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وهو ما يعكس التزام الدولة بالمحافظة على التنوع اللغوي والثقافي في البلاد. كما ساهمت هذه الرعاية في تأسيس مؤسسات تهتم بالحفاظ على التراث الأمازيغي، مثل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي يضطلع بمهمة تعزيز اللغة والثقافة الأمازيغية في مختلف المجالات، بما في ذلك التعليم والإعلام والفن.
هذا الاهتمام الملكي الكبير بالثقافة الأمازيغية لم يتوقف عند حدود الاعتراف الدستوري والإنشاء المؤسساتي، بل تم تجسيده أيضًا في دعم الاحتفالات والمهرجانات التي تشهدها مختلف المناطق المغربية. كما تم إنشاء مشاريع وبرامج تهدف إلى إحياء الفنون التقليدية الأمازيغية، وتعزيزها في السياق المعاصر، من خلال تنظيم عروض موسيقية، وفعاليات فنية، وورش عمل لتعليم الحرف التقليدية.
من الناحية الاجتماعية، تشكل احتفالات “يناير” مناسبة لتعزيز قيم الوحدة والتضامن بين مختلف فئات المجتمع، كما أنها فرصة لإحياء الروابط الاجتماعية داخل الأسر والمجتمعات المحلية، حيث يجتمع الأفراد للاحتفال سويا، ما يعكس عمق التقاليد الاجتماعية والثقافية في المجتمع الأمازيغي.
علاوة على ذلك، يشكل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية حدثًا يعكس سياسة المغرب في تعزيز التنوع الثقافي، وتأكيد أهمية التعددية في المجتمع المغربي. وهي فرصة لتجديد الاعتزاز بالهوية المشتركة التي تضم مكونات ثقافية ولغوية متنوعة، مما يعزز الروابط الوطنية ويشجع على التعايش والتفاهم بين مختلف الفئات.
من خلال هذه الاحتفالات، تواصل رأس السنة الأمازيغية دورها كإحدى أبرز المناسبات التي تعزز مكانة التراث الأمازيغي في المشهد الثقافي الوطني، وتساهم في نقل هذا الموروث إلى الأجيال القادمة. كما تتيح هذه المناسبة فرصة للتأمل في تاريخ الأمازيغ، ولفهم أعمق لأهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي الثري والمتنوع الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من هوية المغرب الحديثة.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
