الرئيسية / ثقافة / طانطان.. مؤسسة من الرباط جاءت لخنق التراث في موسم الثقافة الحسانية المغربية

طانطان.. مؤسسة من الرباط جاءت لخنق التراث في موسم الثقافة الحسانية المغربية

بقلم: عائشة بوعمود

 

  • في خضم الجدل الذي يحيط بموسم أهل الطنطان، يحتل موضوع إدارة المؤسسة الثقافية الرباطية “ألموگار” مساحات واسعة من النقاش، حيث تطرح تساؤلات عدة حول مدى احترام هذه المؤسسة للتراث الثقافي الغني للمنطقة.

ففي حين يُعتبر موسم الطنطان، الذي يُنظم سنوياً، منصة ثقافية تجمع بين مختلف الأبعاد التراثية، وتُظهر التنوع الثقافي للصحراء المغربية، يبدو أن هذا الموسم، الذي يُفترض أن يُكون رمزاً للاحتفاء بالثقافة الصحراوية، قد تعرض للقتل الرمزي عبر أساليب تدبير الخصوصيات الثقافية من طرف مؤسسة قادمة من العاصمة الرباط.

 

بدأ الموسم قبل عقود كاحتفال يجسد التراث العميق لأهل الجنوب، حيث يؤدي الشعراء والحكواتيون والأدباء أدوارهم في نقل تاريخ هذه المنطقة وأصالتها. لكن مع دخول مؤسسة “ألموگار” على الخط، بدأ فصل جديد من التعامل بعيد كل البعد عن الروح الحقيقية لهذا الحدث.

 

والغريب أن هذه المؤسسة، التي يقودها أفراد موظفون من قطاعات مختلفة يتحدثون اللغة الفرنسية غالبا في أحاديثهم الجانبية ومع الفاعلين المحليين، تبدو كأنها في عالم مواز بعيد عن واقع ثقافة الجنوب الغني، وكأن القائمين عليها يتجاهلون عمداً وقصداً خصوصية العلاقة التي تربط سكان الصحراء بماضيهم وتراثهم.

 

إنّ هذا الخلل في إدارة الموسم لا يتجلى فقط في اللغة المستخدمة، بل يتجاوز ذلك إلى تهميش المثقفين والمبدعين المحليين، حيث ترفع الأصوات من أبناء الإقليم احتجاجاً على تجاهل خبراتهم ومساهمتهم بشكل مثير للريبة حقا. فكلما تم تهميش العقل المحلي، فُقدت الكلمات النابعة من عمق الصحراء، واضمحل الصوت الذي يحمل التاريخ والقيمة التراثية الأصيلة.ولعل ذلك يُظهر بوضوح لكل المتابعين أن المؤسسة تتبنى نظرة مركزية مقاولاتية صرفة، تتعامل مع الراغبين في المشاركة بسطحية، وكأنهم ضيوف ليس لهم حق المشاركة الفعلية.

 

من جة أخرى، تتجلى الانتقائية في الفقرات والأنشطة، حيث يتم التركيز على بعض الأنماط دون غيرها وعلى أشخاص دون غيرهم، مما يؤدي بالتأكيد إلى إضعاف المشهد الثقافي المتنوع الذي يُميز الصحراء عادةً.

 

لقد باتت الفعاليات التي تُنظم تحت مظلة “ألموگار” تفتقر إلى الأصالة، حيث أصبحت الفقرات مملة ومكررة وارتجالية هشة المحتوى وهزيلة المضمون، بل باتت تُفقد الموسم هويته الأصلية، وتعرضه للاحتقار في نظر المثقفين المطلعين على أصالة الموروث والعارفين بحقيقته في كل مدن الصحراء.

 

إن المؤسسة لم تراعي الأهمية الكبرى التي يحتلها موسم الطنطان، ولم تثمن الاهتمام الذي يُوليه جلالة الملك نصره الله للتراث الثقافي للمغرب، الأمر الذي يزيد من السهام النقدية الموجهة نحوها إما بعدم الخبرة وغياب الفهم العميق لأهمية هذا الحدث أو بسوء النية والسلوك في التنفيذ، دون أن ننسى أهمية الشراكة التي يحظى بها الموسم مع مؤسسة رائدة كهيئة أبوظبي للتراث، لكنها شراكة لا يبو أن مؤسسة ألموگار نجحت في بلورتها إلى فعل يلمس المشتغلين بالحقل التراثي الحساني بالطنطان. إنه فشل يعبر عنه واقع الحال في لوحات مشتركة كخيمة الشعر وسباق الهجن والموسيقى.

 

إن الخطوات التي يجب أن تُتخذ لاستعادة روح موسم أهل الطنطان تبدأ أولا من إعادة النظر في طاقم المؤسسة الذي يشتغل مع رئيسها الذي يعد شخصية ثقافية مرموقة في المغرب، لكن لا يبدو أن الطاقم جدير بالاستمرار.

كما أن بقاء المؤسسة معزولة طوال السنة في المركز وقدومها الموسمي في فصل الحصاد أصبح مهزلة لا يجب أن تستمر.

لابد من الاستماع لآراء أبناء المنطقة، وإشراكهم في عملية اتخاذ القرار.

ويتطلب ذلك إعادة الإعمار الثقافي، من خلال إعادة الاعتبار للمبدعين والمثقفين والفاعلين المحليين والنزهاء حصرا دون سواهم. ولابد من تقديم منصة مناسبة لهم لعرض إبداعاتهم كما يليق. ويجب أن يتجاوز ذلك مجرد إضافة فقرات ذات طابع محلي فولكلوري، بل يجب أن يكون هناك احترام للعمق الثقافي والحضاري لأهل الطنطان.

على الموسم أن يكون نقطة انطلاق لإعادة تعريف الثقافة الصحراوية، من خلال إدماج تجارب وأصوات محلية تنبض بالحياة، بدلاً من الاستعانة بأصوات غريبة عنها.

ومن الضروري أن يُصبح هذا الموسم منصة للتبادل الثقافي، تتجلى فيها الأصالة والتراث، مما يعزز فعلا لا قولا قيمة الموسم الثقافية.

إن نجاح موسم الطنطان يتطلب إرادة حقيقية للاحتفاء بالثقافة المحلية، بعيداً عن الإدارات الفوقية وتغييب صوت أهل الصحراء.

ويجب أن يُدرك الجميع، سواء من المؤسسة أو من الشركاء، أن الحفاظ على التراث ليس مجرد مجموعة من الفعاليات الموسمية التي تحتاجا سفرا سنويا بالطائرة من كازا إلى الطنطان وسكنا قصيرا في فنادق الوطية وتوزيع الفقرات على مساكين الجمعيات وبعض منتسبي المصالح الخارجية، بل هو مشاركة فعلية وأصيلة تعكس روح الصحراء وتعزز من تاريخها وهو بذلك مسؤولية وطنية قبل أن تكون ثقافية.

ينبغي اليوم أن تكون هناك خطوات واضحة، ترسم معالم الطريق نحو مستقبل ثقافي جدي يجسد الهوية الحقيقية لأهل الطنطان التي هي من هوية الوطن المغربي الواحد المتحد.

عن إدارة الموقع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *