بقلم: موسى رشيدي/ صحفي مهني.
رحلة 40 عام من تحولات الصحافة المغربية: بين طوفان اليوم ومعاناة الأمس
بقلم: موسى رشيدي – صحفي مهني محترف
*إهداء وتحية واجبة*
تحية إجلال وتقدير لكل الصحافيين المهنيين، والصحفيين بصفة عامة كيفما كانوا وحيثما وُجدوا. تحية لكل من حمل القلم بشرف، من جيل اليوم الذي يصارع طوفان الرقمنة، إلى جيل الرواد الذين عانوا مع المقص والكولا.
*تنبيه ضروري: هذا المقال نقد للظواهر لا للأشخاص*
أؤكد أن هذا المقال لا يقصد أي شخص بذاته، ولا أي منبر إعلامي بعينه. الهدف هو نقد ظواهر مهنية عامة بنية الإصلاح، وأنا ابن هذا الجسد الصحفي قبل كل شيء.
*المقدمة: جنازة معلنة*
ماتت الصحافة.
لا، لم تمت موتاً طبيعياً. قُتلت.
قُتلت في بث مباشر على “الفايسبوك”، وانتشر خبر وفاتها في مجموعات “الواتساب”، واحتُفل بموتها في ستوري “الانستغرام”، ورُقص على جثتها في “تيكتوك”. والقاتل لم يُحاكم، بل صار هو الناطق الرسمي باسم الضحية.
القاتل الحقيقي هو “مواقع التواصل الاجتماعي”. أداة الجريمة هي “التيليفون”.
والضحية؟ “صاحبة الجلالة”.
وشهود الزور؟ أنا وأنت وملايين البشر الذين ضغطوا “مشاركة” قبل أن نسأل: “واش بصح؟”.
اليوم، صار “مول الحانوت” وكالة أنباء، و”سائق الطاكسي” مراسلاً ميدانياً، و”ولد الدرب” رئيس تحرير.
هذا المقال هو تقرير الطب الشرعي لجثة مهنة كانت تسمى “صاحبة الجلالة”. سنشرح فيه كيف ماتت، ومن قتلها، وهل هناك أمل في إحيائها من جديد. سنبدأ من المشرحة: من “مواقع التواصل” التي قتلتها اليوم. ثم نعود 40 سنة للوراء، إلى زمن “المقص والكولا”، لكي نفهم كيف كانت تُولد الحقيقة بعرق الجبين.
إذا كنت تبحث عن الحقيقة… فأكمل القراءة. وإذا كنت تكتفي بالعنوان… فأنت كنت من المشيعين في جنازتها.
*المحور الأول: الزلزال الحالي – موت “نقل الخبر”*
*1. الطوفان الأخير: ظاهرة الناشر العشوائي للخبر*
اليوم، المهنة لا تواجه خصوماً من خارجها فقط، بل تواجه الانهيار من الداخل. أصبح كل مواطن يحمل هاتفاً هو وكالة أنباء محتملة. سائق سيارة الأجرة يصور حادثة سير، وصاحب المتجر يصور عملية سرقة. يتم نشر الفيديو في ثوانٍ، بلا سياق، بلا تحقق، وبلا أدنى تحمل للمسؤولية. هذا الطوفان أغرق الحقيقة. المواطن يحصل على “الخبر الخام” في ثانية، لكنه يغرق في محيط من الإشاعات. هنا ماتت “صحافة نقل الخبر”، لأن الجميع أصبح ناقلاً للخبر.
*2. الفيروسات الجديدة: المؤثر والطفيلي*
فوق “الناشر العشوائي” ظهر فيروسان أخطر:
– *المؤثر:* الذي يخلط بين الإشهار والخبر، وبين رأيه الشخصي والحقيقة. هدفه “الترافيك” لا التنوير.
– *الطفيلي:* صاحب الصفحة الذي يعيش على سرقة مجهود الصحافيين المهنيين. يأخذ خبراً تعب عليه صحافي أياماً، يغير عنوانه، وينسبه لنفسه في دقائق.
*3. الخيانة من الداخل: عندما يفضل المسؤول الطفيلي على الصحافي*
وهنا نصل إلى أخطر حلقة في انهيار المهنة: *تواطؤ بعض المسؤولين*.
لقد أصبح بعض المسؤولين، ومع الأسف منهم فاسدون، يفضلون التعامل مع “الطفيليين” و”صناع المحتوى” على التعامل مع الصحافيين النزهاء. لماذا؟
لأن الصحافي المهني يسأل، يحقق، يدقق، ويرفض أن يكون بوقاً. أما الطفيلي فينشر البيان كما هو، بلا سؤال، بلا تدقيق، مقابل “تغميسة” أو “إشهار” أو وعد بـ”السبق”.
المسؤول الفاسد لا يريد صحافة، بل يريد دعاية. لا يريد من يحاسبه، بل من يلمع صورته. فوجد ضالته في كل من هب ودب ويحمل هاتفاً وصفحة. بهذا السلوك، يصبح المسؤول نفسه شريكاً في قتل الصحافة الجادة، وداعماً مباشراً لصحافة التفاهة. فكيف نطلب من المواطن أن يثق في الصحافة، إذا كان المسؤول نفسه يهرب من الصحافي إلى الطفيلي؟
*4. أزمة الإلكتروني: موت الورقي لم يحي المهنة*
اعتقدنا أن الرقمنة هي الحل بعد موت الورقي. لكن سقطنا في أزمات أعقد: قانون يسمح لأي شخص بادعاء صفة “منبر إعلامي”، وعائدات إشهار تحولت لشركات التكنولوجيا، وهوس بالسبق قتل التحقق.
*المحور الثاني: الفيروس القديم – صحافة المكاتب وتمييع المهنة*
قبل أن يظهر فيروس “الناشر العشوائي”، كانت المهنة تعاني من فيروس داخلي اسمه *”صحافة المكاتب”*. صحافي يبدأ وينتهي يومه بشراء خمس جرائد، يختار خبراً من هنا وآخر من هناك، يغير كلمتين، ويقدمه كـ”ملف صحفي”. من هنا بدأ أول تمييع خطير للمهنة.
*المحور الثالث: زمن الحرفة – معاناة الجيل المؤسس في السبعينات والثمانينات*
لكي نقدر حجم الكارثة اليوم، يجب أن نعرف كيف كانت تُصنع الجريدة عندما كانت الصحافة “حرفة” لا “هواية”.
*1. رحلة الخبر والمونتاج:*
لم يكن الخبر يصل عبر “واتساب”. كان الصحافي الميداني هو “جورنال متحرك”: يلتقط الصورة بكاميرا الفيلم، يدون المقال، ثم يعود للجريدة. هناك يدخل عند “المخرج الفني”. العملية يدوية 100%: الصف الحرفي، ثم “المونتاج” حيث الصور تُقص بالمقص وتُلصق بـ”الكولا”. بعد “الإخراج”، تُصور الصفحة لتنتج “فيلماً” شفافاً. هذا الفيلم هو الجريدة الحقيقية.
*2. كابوس “الفيلم”: طناش ساعة مشي، وطناش ساعة تسنى، وطناش ساعة رجوع*
في المدن البعيدة كوجدة والناظور، كان المراسل ينهي فيلمه عصراً، ويسلمه كأمانة لسائق القطار المسافر للرباط.
*طناش ساعة مشي:* القطار يغادر وجدة السادسة مساء، ليصل الرباط السادسة صباحاً.
*طناش ساعة تسنى:* يبقى الفيلم في المطبعة نهاراً كاملاً.
*طناش ساعة رجوع:* النسخ المطبوعة تعود في قطار الليل لتصل وجدة صباح اليوم الموالي.
*النتيجة:* الخبر الذي يُكتب الاثنين، لا يقرأه أهل وجدة إلا الأربعاء. 36 ساعة بين الحدث والقارئ.
*3. معضلة “اليومية” خارج محور الرباط-الدار البيضاء:*
لم تكن الصحافة اليومية متاحة لكل المغاربة. الجهة الشرقية بأكملها لم تكن تتوفر على أي جريدة يومية محلية، لأن أقرب مطبعة كانت في الرباط. فكان الحل هو *”صحافة المقاومة”*: الجرائد الأسبوعية والنصف شهرية التي تعوض سرعة الخبر بعمق التحليل.
*4. ثقافة القارئ المفقودة: من الجريدة على الطاولة… إلى الويفي فالحيط*
الجريدة الورقية لم تكن خبراً فقط، بل كانت طقساً ثقافياً يومياً. وكان المقهى هو البرلمان الشعبي للصحافة.
كنا نرى في المقاهي جرائد فوق الطاولات. جرائد فوق الطاولات. كل من أراد أن يشرب قهوة يجد جريدة. جميع الجرائد كانت موضوعة للزبناء. تدخل للمقهى، تختار جريدتك، تقراها، تناقشها مع اللي حداك، ثم تضعها ليقرأها غيرك. كانت الجريدة ملكاً جماعياً، وثقافة مشتركة.
وكان ركن “شبكة الذكاء” أو “الكلمات المتقاطعة” هو أيقونة هذا الطقس. جل المغاربة كانوا يشترون الجريدة من أجل تلك الشبكة. متعة فكرية تشاركها الأسرة في المقهى والبيت.
*واليوم؟*
ماتت تلك الحلاوة. دخلت للمقهى اليوم، فلن تجد جريدة واحدة فوق الطاولة. ستجد ورقة مكتوب عليها: *”الويفي: 12345678″*.
أصبح الويفي هو الضروري، والتيليفون هو الجريدة. الزبون لا يطلب جريدة مع قهوته، بل يطلب “الكود” مع قهوته. تحول المقهى من فضاء للنقاش حول خبر الأمس، إلى فضاء صامت كل واحد فيه غارق في شاشته، يستهلك خبر اللحظة وحده.
وصل الانحدار إلى درجة أن المطابع أصبحت تطبع “شبكة الذكاء” وحدها وتبيعها كأوراق مستنسخة. لم يعد القارئ يريد الجريدة كاملة، بل يريد الشبكة فقط. هذا المشهد وحده يلخص موت العلاقة بين القارئ والصحيفة، وبين المقهى والثقافة.
*المحور الرابع: خريطة الطريق – من أجل صحافة البقاء*
إذا كانت صحافة “نقل الخبر” قد ماتت، فصحافة “توثيق الخبر” يجب أن تعيش. ومستقبل المهنة مرهون بتكاتف ثلاثة أطراف:
*1. مسؤولية الدولة:* سن قانون واضح يميز بين “المنبر الإعلامي المهني” و”الصفحة الشخصية”. دعم الصحافة الجادة، وتقاسم عادل لعائدات الإعلانات مع المنصات الرقمية. ومحاسبة المسؤول الذي يتعامل مع الطفيليين لتمرير دعايته.
*2. مسؤولية الجسد الصحافي:* تنظيف البيت الداخلي. يجب أن يتحول الصحافي من “ناقل” إلى “محقق” و”موثق”. دوره لم يعد “ماذا حدث؟” بل “لماذا حدث؟” و”هل هذا المحتوى صحيح أم مفبرك؟”.
*3. مسؤولية القارئ:* كل مشاركة لخبر زائف هي رصاصة في صدر جريدة محترمة. وكل دعم لمحتوى جاد هو إنقاذ لصحافي نزيه.
*خاتمة: نحو مصطلح جديد لمهنة جديدة*
ربما حان الوقت للتوقف عن استخدام كلمة “صحافة” لكل من هب ودب. يجب أن نفرق بين ثلاثة أدوار:
1. *الناشر العشوائي للخبر:* المواطن الذي ينقل المعلومة الأولية. نشكره، لكنه ليس صحافياً.
2. *صانع المحتوى الإخباري:* الذي يلخص الأخبار. هو ليس صحافياً.
3. *الصحافي المحترف / موثق الحقيقة:* هو من يأخذ المعلومة الخام، يخضعها للتحقق، ويتحمل مسؤولية نشرها.
من التيليفون الذي قتل المهنة… إلى المقص والكولا التي صنعت مجدها. من موت “شبكة الذكاء” كثقافة… إلى ضرورة بعث “التحقيق والتوثيق” كمهنة. إذا أردنا الحقيقة، فعلينا جميعاً أن ندفع ثمنها.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
