موسى رشيدي.
تعيش جماعة رأس الماء الساحلية بإقليم الناظور على وقع فراغ إداري حاد حوّل باشوية الجماعة من مؤسسة لتدبير شؤون المواطنين إلى منصب شاغر يفاقم معاناة الساكنة. القصة بدأت بملف فساد ولم تنته برحيل باشا واحد، بل تعقدت أكثر بعد مغادرة خليفته.
الاسم الذي فجّر الملف هو منير قسري، الباشا الأسبق لجماعة رأس الماء. يتابع قسري حالياً أمام المحكمة الابتدائية بتازة في واحد من أثقل ملفات التعمير التي تفجّرت بإقليم الناظور. التهم الرئيسية الموجهة إليه تتعلق بالتوقيع على شواهد استمرار الملكية غير القانونية، وهي وثائق إدارية سهّلت تمرير خروقات تعميرية جسيمة، إضافة إلى تسهيل استفادة مشبوهة لمنتخبين سابقين وحاليين ومقاولين من مشاريع تعمير وصفت بالمشبوهة، مع التورط مع عدلين من الناظور أحدهما يقضي حالياً عقوبة سالبة للحرية على ذمة الملف نفسه. تعود هذه الوقائع إلى فترة وُصفت بالسوداء خلال عهد الرئيسين السابقين للجماعة، الجيلالي صبحي وابنه أحمد الجيلالي الصبحي. لم يصدر في حق قسري حكم بالسجن إلى حدود أبريل 2026، حيث يتابع في حالة سراح، لكنه عوقب إدارياً بتنزيل رتبته من باشا إلى قائد عادي مع تنقيله تأديبياً إلى مدينة فاس، وهو إجراء وصفه متابعون بالعقوبة الرمزية التي لا تعكس حجم الأفعال المنسوبة إليه.
بعد تنقيل منير قسري، تم تعيين عزيز مرسلي باشا جديداً لرأس الماء، لكنه لم يعمّر طويلاً في المنصب. لم يتم إعفاؤه أو متابعته قضائياً، بل تمت ترقيته ونقله بقرار من عامل إقليم الناظور، حيث جرى إعفاء رئيس قسم التعمير بعمالة الناظور وتعويضه بباشا مدينة رأس الماء، عزيز مرسلي. الخطوة جاءت ضمن إجراءات إعادة هيكلة الأقسام الحيوية بالعمالة، خاصة قسم التعمير الذي كان مثار جدل واسع. ببساطة، الباشا الثاني غادر لأن الوزارة احتاجته في منصب أكبر بعمالة الناظور لإصلاح ما أفسده سلفه في ملفات التعمير.
رحيل الباشا الأول للمحاكمة، ونقل الثاني للعمالة، خلّف فراغاً إدارياً تعاني منه باشوية رأس الماء إلى اليوم. وتتجلى مظاهر معاناة الساكنة بسبب غياب الباشا في الشلل الإداري الذي أدى إلى تعطل ملفات التعمير والرخص والشواهد الإدارية، واستمرار فوضى التعمير التي تحوّلت من استثناء إلى أسلوب تدبير دائم. كما أن غياب السلامة بات واضحاً بعدما شهد شاطئ رأس الماء حوادث غرق متكررة في مناطق غير محروسة مثل ليروشي، راح ضحيتها شاب عمره 18 سنة وقاصر عمره 16 سنة، وغياب قرار إداري حازم يفاقم الخطر. ويضاف إلى ذلك التدهور البيئي وشكايات الساكنة من بقاء جثث حيوانات نافقة على الشاطئ في غياب تدخل سريع للسلطات، فضلاً عن شعور عام بالتهميش، إذ ترى الساكنة أن الجماعة أصبحت منسية بعدما تحولت الباشوية إلى منصب عبور، إما نحو المحاكمة أو نحو الترقية.
منطقة ليروشي الصخرية برأس الماء تحولت من متنفس لهواة القفز إلى نقطة سوداء تحصد الأرواح. والسؤال الذي تطرحه الساكنة اليوم هو لماذا لا نتدخل بحلول عملية بدل الاكتفاء بالمنع. الهدف من وضع حواجز مقاومة لمياه البحر ليس منع القفز، بل حماية المتفرجين والعائلات التي تتجمهر على الصخور. فحواجز إسمنتية أو معدنية مقاومة للتآكل والملوحة يمكن أن تمنع انزلاق الأطفال والمتفرجين نحو الماء أثناء هيجان البحر. القفز هواية عالمية ولها عشاقها، وبدل منع الشباب وتركهم يغامرون في السر، يمكن تسييج منطقة آمنة للقفز بعمق مدروس، ووضع سلالم إنقاذ وأطواق نجاة ثابتة في الصخور، وتخصيص منقذين موسميين في الصيف، ووضع لوحات تشوير توضح عمق المياه واتجاه التيارات وأوقات الخطر. غياب الباشا يعني غياب السلطة التي تقترح هذه الحلول على العمالة والمجلس الجماعي، فالمشكل ليس في هواية القفز، بل في تركها في منطقة غير مهيأة وغير محروسة. الحل ليس المنع المطلق، بل التأطير والحماية.
هذه الحلول لا تُنفذ الآن بسبب الفراغ الإداري، إذ لا يوجد باشا يدفع بالملف ويترافع عليه أمام العمالة والجهة. كما أن الجماعة تبرر بعدم توفر الاعتمادات المالية، والعمالة تنتظر مبادرة من السلطة المحلية. ثم هناك هاجس المسؤولية القانونية، فلا أحد يريد تحمل مسؤولية تأهيل مكان خطير خوفاً من المتابعة إذا وقع حادث رغم التأهيل.
قضية باشوية رأس الماء تكشف كيف يمكن لملف فساد واحد أن يخلق أزمة تدبير مركبة. باشا أول أسقطته تهم التزوير، وباشا ثانٍ نُقل لإصلاح ما أفسده الأول، وبينهما ساكنة تدفع ثمن الفراغ. معاناة رأس الماء ليست فقط غياب الباشا، بل غياب الرؤية، من فساد التعمير إلى فراغ إداري إلى عجز عن تحويل نقطة موت إلى فضاء ترفيهي آمن.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
