الرئيسية / أعمدة الجسور / التغيرات المناخية والهجرة إقليم جرسيف نموذجا

التغيرات المناخية والهجرة إقليم جرسيف نموذجا

فؤاد الربع: مركز الشرق للدراسات والأبحاث جرسيف

تأتي هذه الدراسة لرصد ظاهرة التغيرات المناخية وانعكاساتها التي أدت إلى بزوغ مفاهيم جديدة من قبيل الهجرة البيئية، واللجوء البيئي، كما أنها جاءت لتضفي على الشق النظري بعد آخر تطبيقي يحيل وبما لايدع مجالا للشك على أهمية هذه التغيرات المناخية وضرورة رصد أبعادها المحلية والوطنية والدولية ، وهو ما سيؤدي لامحالة إلى استشعار حجم الأخطار المحدقة بالإنسانية على شتى الأصعدة وهو ما يفرض ضرورة التحرك العاجل لإيجاد الحلول الممكنة.

كان موضوع الهجرة مثارا للعديد من النقاشات والتفاعلات، ولازال تيمة جد مهمة لعدد من الباحثين والدارسين ؛بالنظر لتعدد جوانب النظر لهذا الموضوع، وكذلك على اعتباره مشكلا تاريخيا دائم التجدد بالنظر الى تعدد الأنساق الزمانية والمكانية وللتغيرات التي تشهدها البيئة بصفة عامة،وتأتي هذه الدراسة لتحط الرحال عند زاوية مهمة من زوايا النظر حول موضوع الهجرة، فالزاوية التي نحن بصددها لم تتأسس في نسقها القانوني والمفاهيمي إلا بعد سنة 2000م، حيت شرع المنتظم الدولي في الحديث عن التغيرات المناخية كسبب من أسباب الهجرة، لذلك سنحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على الإطار التاريخي لظهور هذا المفهوم وما ارتبط به من مفاهيم جديدة جاءت استجابة لهذه المتغيرات في محور أول، لنخصص المحور الثاني من الدراسة للحديث عن أثر التغيرات المناخية على المغرب، وعلى الهجرة من خلال نموذج إقليم جرسيف.

المحور الأول الإطار التاريخي للهجرة البيئية  

إن تحديد الإطار التاريخي للموضوع الدي بين أيدينا ليس بالأمر السهل، وإنما هو أمر صعب للغاية بالنظر للتاريخ الطويل للهجرة من جهة، وبالنظر لتعدد ارتباطاته وتحدياته في علاقاته بمواضيع أخرى، وبحقول معرفية مختلفة من جهة ثانية، ولعل مكمن الصعوبة الأساسي هو ارتباط الانسان بمحيطه الخارجي والبيئة الخارجية إلى جانب البيئة الداخلية، على اعتبار أن كل الدراسات و الأبحاث التي تناول أي حضارة من الحضارات أكدت بما لا يدع مجالا للشك بتأثر الانسان بالبيئة الخارجية وبمحيطه في إطار ما يعرف بعلاقات التأثير والتأثر، فهدا المحيط غالبا ما يكون المحدد أو المحفز أو الدافع لإثبات انسانية الإنسان ولإثبات وجود الانسان في علاقته بالبيئة والطبيعة ،ولعل النتيجة الحتمية لارتباط الانسان بالبيئة هي أن تطور عرفه الانسان غالبا ما كان يصاحبه تطور في كيفية تعامله وتكيفه مع الطبيعة.

فالتجمعات السكانية القديمة غالبا ما كانت تتشكل في إطار ظروف بيئية تنسجم مع نمط العيش، فالإنسان البدائي الدي كان يتغدى عن طريق الالتقاط والصيد غالبا ما كان يتواجد في بيئة كالغابة تسهل عليه الحصول على الطعام والصيد كان دائم الهجرة لأجل توفير وسائل البقاء ليستقر في مجموعات وفي مناطق خصبة توفر له مستلزمات العيش، وتدفعه نحو البناء والتقدم وإثبات وجوده، ومن هده المناطق والتي عرفت نشوء حضارات مهمة نجد مصر القديمة التي كانت تعتبر هبة النيل؛ باعتباره النهر الدي تتدفق الحياة من خلاله، حيث كانت مياهه السبب في قيام أهم الحضارات الانسانية على ضفتيه والتي مازالت معالمها الضاربة في التاريخ ماثلة الى الآن.

وإدا اتجهنا شرقا نجد نهري دجلة والفرات، حيث نشأت على ضفافهما حضارة بلاد الرافدين، وما خلفته من آثار لازالت تقاوم الى الآن.

وإدا توغلنا شرقا نجد الوديان والسهول والبحار والمناخ المعتدل والغابات الكثيفة والطبيعة الخلابة والأنهار التي شقت القارة الآسيوية؛ والتي كانت مهدا لكل من الحضارتين الصينية والهندية القديمتين.

وفي أقصى الغرب حيث القارة الأوروبية وقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية كانت العوامل البيئية مما تحتويه الطبيعة والمناخ سببا في نشأة الحضارة الاغريقية واليونانية والرومانية وحضارات الهنود الحمر القديمة في المكسيك والولايات المتحدة الامريكية حاليا.

وبالانتقال الى افريقيا نجد أن العديد من الدول والحضارات أقيمت أو شيدت في ظروف بيئية ملائمة؛ تسمح بإنتاج الغداء الى جانب توفر الماء وهي في الغالب ما كانت تتشكل بجانب الأنهار والوديان.

وبالرجوع الى شمال افريقيا نجد أن حضارات مهمة مرت وتعاقبت على هده المنطقة ،وهي في الغالب ما كانت تتواجد وتتشكل في مناطق خصبة بما تحمله الكلمة من معنى، ولن أتحدث هنا عن الحضارات القديمة، وإنما سأتحدث عن نموذج دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، فهده المدينة أسست بدراسة وتخطيط هامين من خلال التواجد بالقرب من سهول الأطلس التي تفيض خيرات في فصل الصيف ،وهي توجد بالقرب من نهر سبو الدي يتدفق ماؤه على مدار السنة؛ وتنتشر على جنباته مختلف أشجار الكروم والفواكه.

ولن يطول بنا المقال هنا طويلا للحديث عن الحضارات القديمة والبيئة المحيطة بها، ولكن محور الموضوع يفرض علينا رصد تاريخ الهجرات البيئية، فبالنسبة للمغرب مثلا نجد أن هناك العديد من القبائل الرعوية هاجرت إليه إلى حدود أواسط القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) توافدت على المغرب قبائل عربية من أهمها بني هلال، وكانت هاته القبيلة أكبر القبائل المهاجرة للمنطقة ،شملت هاته الهجرات قبائل مثل (بني سليم ؛وبني معقل ؛الأثبج ؛ بني رياح، بني زغبة) لكن لقوة شكيمة بني هلال انسحب اسمها على مجموع القبائل القادمة نحو شمال إفريقيا.

وقدمت هده القبائل من نجد شمال العربية السعودية وكانت القبائل الهلالية في أغلبها قبائل بدوية دائمة التنقل والترحال؛ لا تمارس في حياتها سوى الرعي والظعن بالمواشي صوب الكلأ والمرعى كلما اشتد عليها الجفاف، وقست عليه الطبيعة، لتستقر في الأخير بالمغرب على ضفاف الأنهر والوديان حيث المرج والكلأ.

ونفس الامر يحدث بالنسبة للقبائل الرعوية بالمغرب الشرقي على سبيل المثال؛ وبعد توالي سنوات الجفاف على المنطقة انتقل العديد من سكان البوادي الى المدن للسك، محدثين بدلك هجرة داخلية كبيرة ترتبت عليها نتائج كارثية على جمالية المدن، وما تطرحه أيضا من اشكالات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وهجرات خارجية نحو اوروبا للبحث عن فرص عمل داخل هده الدول التي بدأت هي الأخرى تعاني مشاكل بيئية.

وتبرز هنا أمية البيئة في ضمان الاستقرار الانساني، على اعتبار أن الظروف البيئية الملائمة كانت العامل الأساس في قيام العديد من الحضارات، كما أن اندثار الكثير منها كان بسبب التغيرات المناخية، فالعامل البيئي سيساهم إن لم يتم وضع حد له في فناء الجنس البشري كله على وجه الأرض مستقبلا؛ وسوف نصبح حضارات سابقة كما أصبح اللدين من قبلنا، وستستمر الهجرات البيئية في الازدياد ولن نستطيع أن نتوقع حجمها وتأثيراتها.

أ ــــ التغيرات المناخية خطر حقيقي

حدرت العديد من المنظمات من هجرة أعداد  هائلة من الناس تتراوح أعدادهم بين 216 مليون انسان بحلول عام 2050، فالخوف من اللاجئين البيئيين أصبح الآن قضية سياسية حقيقية ؛فهؤلاء لم يعد باستطاعتهم العيش في أوطانهم بسبب الجفاف وتآكل التربة، والتصحر، والمشاكل البيئية الأخرى؛ فعندما يبلغ الاحتباس الحراري دروته عام 2050 قد يتضرر حوالي 216 مليون انسان بسبب اضطرابات الرياح الموسمية والأعاصير؛ ونضوب الأمطار ؛وقسوة دورات الجفاف التي تستمر طويلا، وأيضا بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات الساحلية سيدفعهم الى البحث عن أماكن أخرى، فمند عام 2001 حدرت العديد من المنظمات من بينها الصليب الأحمر الدولي والأمم المتحدة والهيئات الحكومية للتغيرات المناخية وغيرها من تدفق للمهاجرين من أنحاء مختلفة من العالم ويقدرون أن يتراوح عدد المتأثرين بين 50 مليون الى مليار لاجئ بسبب تغير المناخ.

كما كشف تقرير جديد للبنك الدولي تحت عنوان “غراوندسويل” (Groundswell) في جزئه الثاني أن عدد السكان المرشحين للهجرة والترحال داخل حدود أوطانهم بسبب التغيرات المناخية قد يصل إلى حوالي 216 مليون نسمة بحلول عام 2050، منهم حوالي 19 مليون نسمة من منطقة شمال أفريقيا.

فالعديد من المناطق من أوروبا وآسيا تتعرض للفيضانات والأعاصير المدمرة، والانزلاقات الأرضية ،في الوقت الدي سيصبح فيه الوصول إلى المياه الصالحة للشرب من أكبر التحديات الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة في القارة الافريقية .

كذلك فإن العديد من الجزر هي تحت وقع الاندثار، فالتقارير تحدر من أن العديد من الجزر مهددة بالغرق تحت الماء؛ فمثلا نجد أن أصغر جزر” بولونيزيا”: وهي الجزر الواقعة جنوب المحيط الهادي يتهددها خطر الابتلاع بواسطة الأمواج، وبسبب ارتفاع مستوى سطح البحر.

ونفس المصير تعانيه جزر” كيريباتي “والتي يتوجس مسؤولوها من تكرار مصير جزيرة “أطلانتس” الاسطورية التي يقال أنها اندثرت تحت مياه المحيط بشكل كامل، وأن دولة “كيريباتي” التي يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة وتقوم على 32 قطعة من شعب المرجان التي غرق بعضها في السنين الأخيرة نظرا لارتفاع مستوى مياه المحيط الهادئ، ومن المتوقع أن يليها البعض الآخر من شعب المرجان.

فخبراء البيئة حدروا من أن قارة آسيا هي الأكثر عرضة للمخاطر الناجمة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض نتيجة التغير المناخي ،جاء ذلك في سياق تقرير أعده تحالف يضم 21 من وكالات البيئة والمساعدات الانسانية منها أصدقاء الأرض والسلام الأخضر و أوكسفام بالتعاون مع الهيئة الدولية للبيئة والتنمية.

وحدر التقرير من أن الظواهر المرتبطة بالتغير المناخي تهدد التقدم الاقتصادي والاجتماعي الدي حققته دول القارة الآسيوية على مدى العقود الماضية، أما الخطر الدي يهدد القارة الآسيوية خاصة الدول المطلة على المحيطين الهادئ والهندي :هو ارتفاع منسوب المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة ،فالارتفاع التدريجي في مستويات البحر الناتج عن الاحتباس الحراري ربما يضطر سكان المالديف للسكن في مكان آخر ؛على اعتبار أن المالديف تعتبر أكثر المناطق أو النقاط انخفاضا في العالم؛ حيث يبلغ ارتفاع أعلى أراضيه أقل من مترين فوق سطح البحر.

وبحسب التقرير فستكون آسيا مسرحا للدراما الانسانية لظاهرة التغير المناخي، فنصف سكانها تقريبا يقطنون في مناطق ساحلية هي الأكثر عرضة للكوارث الطبيعية ، مثل الفيضانات والأعاصير الناجمة عن التغير المناخي.

ب ـــ تأثير التغيرات المناخية على الهجرة

يتوقع الخبراء أن تزيد التغيرات المناخية المرتقبة من تعقيد موجات الهجرة، التي ستؤثر سلبا أيضا على مستقبل الأنظمة البيئية، والنوع الايكولوجي، وسياسات استعمال الأراضي والمحافظة عليها.

وينتظر أن تواجه منطقة جنوب المتوسط مشاكل أكبر ،وهي التي تعاني اليوم نقصا في المياه بالإضافة إلى ارتفاع وتيرة موجات الجفاف والفيضانات، وأحداث مناخية قاسية أخرى سينتج عنها  ليس فقط اختلال متزايد بين العرض والطلب على الماء، بل يتوقع بعض الخبراء أن تكون هناك انعكاسات أخرى مهمة ستؤثر على المستوى المعيشي العام بالمنطقة.

كما يتوقع الخبراء تسارع وتيرة التصحر وتضرر البنيات التحتية وتقلص الأراضي الخصبة والمأهولة بسبب تعرية الأراضي ،والانهيارات، وتضرر المساكن الطبيعية؛ بالإضافة الى الأضرار الكبيرة للأنظمة البيئة، وارتفاع تسرب المياه المالحة بسبب ارتفاع مستوى مياه البحر…وتأثير كل ذلك على القضايا المرتبطة بالصحة.

وحسب سيناريوهات عدة، فإن إسبانيا والبرتغال هما البلدان الأكثر تضررا من التغيرات المناخية في أوروبا، ادا ما حصل ارتفاع ملموس في درجات الحرارة ( ما بين 5و7 درجات مئوية في حدود سنة 2100) . ويتوقع السيناريو انخفاضا في التساقطات المطرية وموجات جافة متوالية . وإدا ما استمر الاستعمال غير المستدام للموارد الطبيعية في الزراعة والسياحة، فإن ذلك إضافة إلى التغيرات المناخية المرتقبة، قد يؤدي إلى استنزاف الموارد المائية وتآكل التربة والتصحر…؛ والتسبب في تراجع اقتصادي وتزايد أعداد المهاجرين أيضا.

كما أكدت العديد من التقارير أن المغرب وتونس وليبيا تفقد كل سنة أكثر من 1000 كلم مربع من الأراضي المنتجة بسبب التصحر، وفي مصر التي تعتمد فقط على الري؛ فإن نصف الأراضي المروية، تعاني من الملوحة في وقت تستورد البلاد جزءا مهما من غدائها !

وبين تقرير أن تركيا خسرت 160 ألف كلم مربع من الأراضي الزراعية بسبب تآكل الأراضي.

كل هذه التغيرات المناخية التي يعرفها  العالم والتي سبق سرد بعض تفاصيلها، اضافة الى أخرى لا يسع الحيز الزمني لسردها، الى جانب الحروب وما خلفته وتخلفه من أثر على البيئة؛ بفعل البراميل السامة والأسلحة الكيماوية…، تسببت بهجرة السكان بعد تدمير موارد عيشهم.

هذه التغيرات وأخرى كانت سببا كافيا لإضفاء بعد جديد على الهجرة وهو ما بات يعرف بالهجرة البيئية.

1ــ مفهوم الهجرة البيئية ـ

يصادف البحث عن تعريف واضح ودقيق للهجرة البيئية العديد من المفاهيم المترابطة كالهجرة البيئية، والهجرة  المدفوعة بأسباب التغيرات المناخية، واللاجئين الإيكولوجيين أو البيئيين ومهاجري تغير المناخ، والمهاجرين القسريين المدفوعين بأسباب بيئية، وهي مفاهيم متناثرة ، وعموما يمكن تعريفها كالتالي: الهجرة البيئية هي مختلف الأسباب البيئية المباشرة وغير المباشرة التي تتسبب في المغادرة الدائمة للسكان من مناطقهم الأصلية.

ويرجع السبب الرئيسي في غياب تعريف يتعلق بالهجرة الناتجة عن التعرية أو التغيرات البيئية؛ إلى صعوبة فصل العوامل البيئية عن غيرها من العوامل الدافعة للهجرة ،كما تكمن إحدى المعوقات الأخرى في الخلط بين الهجرة القسرية والهجرة الطوعية.

هل الهجرة البيئية في جوهرها شكل من أشكال النزوح القسري؟ هل تتخذ شكل الانتقال الطوعي لمكان آخر؟

تؤثر هده الأسئلة على توصيف الهجرة البيئية ولا يمكن بسهولة التخلص منها بالالتفاف حولها.

وفي محاولة منها لإزالة هدا الغموض الدي يكتنف المفهوم حاول كل من الأستاذين “فرانسوا جمين” وأوليفيا دون” غُربة هذا المفهوم من خلال فصله عن المفاهيم اللصيقة والمرتبطة به ارتباطا شديدا حيث أكد أنه وعلى خلاف الحالات الواضحة التي تؤدي فيها التغيرات البيئية سريعة الهجوم مثل تلك الناجمة عن الزلزال أو الفيضانات إلى حدوث النزوح القسري.

تكمن المشكلة في أن أشكال الهجرة البيئية تطالعنا في ظل وجود تغيرا ت بيئية أو عمليات تعرية بطيئة الهجوم (مثل التصحر) والتي تؤثر على السكان الذين يعتمدون اعتمادا مباشرا على البيئة في معاشهم وبما يتسبب لهم  في ضغوط معيشية.

وعندما تصبح التعرية البيئية عاملا مساهما في الهجرة (لا تُعد من كُبرى العوامل)، فعندها يصبح من المشكوك فيه ما إذا كان من الممكن أن نطلق على هذا النوع من الهجرة تعبير الهجرة البيئية، كذلك فإن تزايد أنماط الهجرة الحالية يسهم في صعوبة تحقيق الإجماع حول هذه التعاريف.

وبداية من عقد السبعينات ،كان هناك حد واضح  يفصل بين أولئك المتكهنين بموجات من “اللاجئين البيئيين” وبين أولئك المتبنين لموقف أكثر تشكيكا.

وبصفة عامة يمكننا أن نطلق على الفريق الأول ممن يميلون لفص العوامل البيئية كقوة كبرى دافعة للهجرة بـــ “المنذرين”، أما الفريق الثاني والدي يميل للإصرار على أن الدوافع المؤدية للهجرة ذات طبيعة أكثر تعقيدا فيمكننا أن نطلق عليه فريق “المشككين” واللافت للنظر أن المنذرين نجدهم ينتمون لحقول الدراسات البيئية أو دراسات الكوارث، بينما ينتمي فريق المتشككين حصريا إلى حقل دراسات الهجرة القسرية ودراسات اللاجئين، ولا ينبغي أن نعجب من أن التقارير التي تربط تغير المناخ بالقضايا الأمنية عادة ما تنحاز الى صف المنذرين.

وكما أن معظم النظريات الكلاسيكية حول الهجرة تميل لتجاهل البيئة كمحرك ودافع للهجرة، نجد معظم النظريات التي تتناول الحكومة البيئية تتجاهل تدفقات الهجرة. وينبغي أن يكون سد هذه الفجوة أحد أولويات أجندتها البحثية في هدا المجال.

2 ـــ مفهوم اللجوء البيئي

لم يستقر بعد فقه القانون الدولي العام على مفهوم محدد لما يعرف باللجوء البيئي نظرا لحداثة المفهوم من جهة، ونتيجة لإعادة تشكل الظاهرة بأشكال جديدة وبأكثر حدة بفعل التغطية الصحافية لمثل هده الأحداث، ولوجود قنوات متخصصة ترصد هدا النوع من التغيرات، لما تخلقه من إثارة في نفوس المشاهدين.

ويرجع الفضل بالأساس في ظهور هذا المفهوم الى “ايونا تايتيوتا “من جزيرة كيريباتي الذي يعتبر أول من تقدم بطلب اللجوء البيئي  لنفسه ولأسرته الى دولة نيوزيلاندا ،على خلفية المعاناة من تبعات التغير المناخي؛ فهذه الاسرة فقدت كل امكانيات بناء مستقبل لها في وطنها نتيجة لارتفاع مستوى سطح البحر.

وفي هذا الصدد صرحت السيدة “دنيا ايونسكو” والتي تعمل منذ 2011 كسكرتيرة لسياسات شؤون الهجرة والبيئة والتغير المناخي في المنظمة الدولية للهجرة” أن ما تقوم به المنظمة الدولية للهجرة هو توفير منبر لمناقشة العلاقة بين الهجرة والعوامل البيئية والبحث عن حلول مشتركة.

وأن المنظمة الدولية للهجرة لا تستخدم على أية حال مصطلح “لاجئ بيئي” لكننا نتحدث عن “المهاجرين البيئيين” وذلك لان اتفاقية جنيف التي حددت شروط قبول اللجوء لم تذكر المناخ كسبب من الاسباب ، وإنما حصرت منح اللاجئ حق اللجوء حالة تعرضه للاضطهاد السياسي والديني.

ومع ذلك فان المنظمة الدولية للهجرة تعترف صراحة بأن التغير المناخي قد يكون سببا للهجرة ،بل ان الدول الاعضاء في المنظمة الدولية للهجرة وافقت سنة 2007 على تعريف مصطلح “المهاجرين البيئيين” نتيجة عشرين عاما من العمل الشاق ،وهو يستخدم الان ايضا على نطاق واسع في النقاش الدولي.

نشأ هذا التعريف على هامش التحضيرات لمؤتمر كوبنهاغن للمناخ، عندما تشكل داخل المنظمة الدولية للهجرة وعي كبير بتأثير البيئة والمناخ على حركات الهجرة، ومن ناحية أخرى عندما أصبح تدهور الظروف البيئية جراء التغير المناخي أمرا واضحا على نحو متزايد.

وجاء على لسان المنظمة ان وصف “المهاجر البيئي” يطلق على كل الاشخاص الذين اضطروا الى مغادرة منازلهم بسبب الظروف البيئية (الفيضانات و الجفاف والتغيرات في فصول هطول الامطار) ويغطي تعريفنا جميع اشكال الهجرة التي تقف التغيرات البيئية وراءها ،سواء الكوارث الطبيعية الحادة، وكذلك التدهور التدريجي في الظروف البيئية على سبيل المثال وتدهور حالة التربة.

لكننا في المنظمة نعتبر ان صفة “مهاجرين بيئيين” تنطبق على الفارين من تهديد أو خطر بيئي وشيك يهددهم، وأيضا اولئك الذين يختارون بحرية أكبر نسبيا ترك وطنهم.

وأكدت المنظمة الدولية للهجرة ان تعريفها لا يرتبط بنتائج معيارية ،ولكنه يصف ببساطة من هو “المهاجر البيئي”.

ما يلاحظ من خلال المجهودات التي تقوم بها المنظمة الدولية للهجرة هو أنه لازال عصيا عليها ايجاد مفهوم محدد ومستقل للاجئ البيئي وانما اكتفت بإعطاء وصف للمهاجر البيئي لعلة أن اتفاقية جنيف التي حددت شروط قبول اللجوء لم تذكر المناخ كسبب من الاسباب وانما حصرت منح اللاجئ حق اللجوء حال تعرضه للاضطهاد السياسي والديني.

المحورالثاني: أثر التغيرات المناخية على المغرب وعلى الهجرة “مدينة جرسيف نموذجا”

التغير المناخي ظاهرة شغلت اهتمام الباحثين من مختلف بقاع المعمور  بشكل كبير ،كما انها حظيت بتتبع العديد من المنابر العلمية والاعلامية، واهتم بها العديد من الفاعلين (الرسميين والغير الرسميين) الى درجة ان أصبحت المتغيرات المناخية حديثا يوميا للأفراد، بسبب ما يتم بثه في الفضائيات من فيضانات وعواصف واعاصير وزلازل وحرائق تأتي على الاخضر واليابس، والجفاف، ومشكلة الماء والتصحر  الخ …..

فالعالم اليوم يجمع بأن هناك متغيرات مست المناخ فلا أحد يمكن أن ينكر ذلك ،والمغرب البلد الذي احتضن مؤتمر الكوب 22 لم يكن بمنأى عن هذه التغيرات، فبحكم الموقع المناخي الذي يتراوح يبن المناخ المعتدل الرطب، والمناخ المداري الجاف ،فإنه يصنف من اكثر البلدان عرضة للتغيرات المناخية، وتشير بعض المؤشرات الى أن مناخ البلاد بدأ فعلا يتأثر بالتغيرات المناخية العالمية، وأخد يتجه نحو مزيد من الاحترار والتجفيف.

ولا شك أن هذه التطورات المناخية ستكون لها انعكاسات وخيمة على مختلف مناحي الحياة ؛وسيؤدي الى اتساع رقعة المناطق الجافة والقاحلة، واعتبار لكون المناخ يشكل أحد العوامل المتحكمة في التوازنات البيئية ،فان هذه التغيرات من شأنها أن تحدث تحولات كبرى في المنظومة البيئية للمغرب.

أ ـــ أثر التغيرات المناخية على المغرب

عرفت الجهات المناخية بالمغرب تحولا بفعل تغير المناخ، حيث أصبحت المناطق الجافة قاحلة ويهيمن عليها التصحر؛ في حين تطورت المناطق الرطبة الى شبه رطبة وتسير نحو الجفاف وندرة الموارد المائية.

فحسب التقرير الرابع للفريق الدولي المكلف بدراسة التغيرات المناخية GIEC فانه من المتوقع أن تشهد المنظومة المناخية للمغرب ارتفاع درجة الحرارة المتوسطة بحوالي 25 الى 55 درجة “سيلسيس” بالنسبة للمعدلات الحالية .

وزيادة في درجات الحرارة القصوى، وفي تردد موجات الحر، موازاة مع نقص في عدد الايام الباردة وأيام الصقيع.

~ تراجع عام في كمية التساقطات بحوالي %20 مقارنة بالوضعية الحالية.

زيادة عدد الأيام الجافة مع انخفاض عدد الأيام المطيرة. ~

~ تنامي الجفاف في الاقاليم الجافة وشبه الجافة، مع احتمال ان يصبح الجفاف اكثر طولا وأكثر عنفا.

وسينجم عن هذا التغير المناخي المتوقع تحولات في النطاقات البيو مناخية للبلاد ومن ذلك اتساع النطاقات البيو مناخية القاحلة وشبه القاحلة، وتقلص مساحة المناطق الرطبة وشبه الرطبة وتزحزحها شمالا.

~ زحف التصحر على الواحات الجنوبية و المناطق الشرقية واندثار منظوماتها.

~ انخفاض عام في رطوبة التربة مما سيسرع من وثيرة تدهورها بفعل التعرية ارتفاع قوة التبخر ــــ النتح ــــ وزيادة تملح التربة والمياه، انخفاض عام في صبيب الأودية، وتغير في نظام جريانها الفصلي؛ إضافة الى استمرار انخفاض مستوى الفرشات المائية الباطنية ،أما بخصوص التساقطات المطرية فإنه على المستوى العام للتساقطات عرف ارتفاعا في المناطق الوسطى أكثر من المناطق الشمالية، بينما انخفضت  في المناطق الجنوبية والشرقية، أما على مستوى التساقطات الفصلية فإنها تميزت بانخفاض عام في التساقطات الخريفية باستثناء سوس التي عرفت استقرارا في مستواها ،انخفاض التساقطات الشتوية في المناطق الشرقية كسهل سايس، الشاوية والأطلس المتوسط، ارتفاع التساقطات الشتوية في كل من ورزازات وآسفي واكادير، وانخفاض التساقطات الربيعية  بكل من وجدة ،فاس، طنجة، البيضاء، آسفي، افران.

إن هذه التغيرات التي عرفها المغرب وأخرى لا محال ستترك آثارا وخيمة على المنظومة البيئية ككل وعلى الاقتصاد المغربي، فكيف كان وقع هذه التغيرات على الهجرة في المنطقة الشرقية ، جرسيف نموذجا؟

ب ــ انعكاسات التغيرات المناخية على جهة الشرق ـــ نموذج جرسيف ــ

كغيرها من مناطق المغرب عرفت المنطقة الشرقية تغيرات مناخية كبيرة يمكن تلمسها من خلال ارتفاع درجات الحرارة وندرة التساقطات وزحف الرمال على المناطق الرعوية والتعرية وعدم انتظام جريان الأودية.

فالمدينة التي اخترناها كنموذج تقع في منطقة الشرق وهي أيضا عرفت تغيرات مناخية كثيرة فبعد أن ساد المناخ المعتدل في الستينات الى الثمانينات ،عاد الجفاف ليضرب المنطقة مند ذلك التاريخ الى اليوم، وازدادت درجة حرارتها صيفا، وقلت التساقطات الى أدنى مستوياتها، الامر الذي أثر على المنظومة البيئية ككل وعلى هجرة الساكنة .

يتميز مناخ جرسيف بالجفاف بفعل التغيرات التي سبق الحديث عنها، فالمنطقة شهدت موجات جفاف كبيرة وازدادت حرارتها، وهو ما أدى الى ارتفاع معدل تبخر المياه وانخفاض معدل التساقطات، وتراجع الغطاء النباتي وزحف التصحر على المنطقة؛ وتراجع الأنشطة الفلاحية بها.

هذا وقد أدى تراجع منسوب التساقطات الى تراجع منسوب المياه السطحية منها والجوفية بحوض جرسيف، الشيء الذي انعكس سلبا على القطاع الفلاحي، وعلى تربية الماشية . هذه العوامل مجتمعة فرضت على الساكنة أمرين أساسيين: إما التكيف مع المتغيرات الجديدة وإما الهجرة.

التكيف: نظرا للتحديات الكبيرة التي فرضت نفسها على المنطقة بفعل التغيرات المناخية، فإن الفلاحين كانوا مجبرين على التكيف مع هذه التغيرات؛ فبعد أن كانت المنطقة تعتمد على الرعي في سهولها الفسيحة ، تحولت اليوم الى تبني أسلوب التربية العصرية للمواشي  واعتماد برامج التسمين والتربية، التي تجعل من التقنية والعلم طريقا ومنهجا لها .

كذلك فإن المنطقة عرفت تحولا مهما في مجال الزراعة، حيث تحولت من الزراعة البورية الى الزراعة السقوية عبر آلات حديثة للرش والسقي، وباستخدام الطاقة الشمسية في عملية استخراج المياه، كما تحولت من زراعة الحبوب التي تتطلب مياها وفيرة الى غرس الأشجار المثمرة بوسائل ري تعتمد على نظام التنقيط، وهو الأمر الذي لقي نجاحا كبيرا في المنطقة حيث أصبحت المنطقة تعد من بين المناطق المهمة التي تنتج الزيتون في المغرب وبجودة عالية .

إلا أنه في بعض المناطق التي عرفت ظروفا جافة وقاسية، إلى جانب ندرة المياه الجوفية فقد توجهت ساكنتها نحو الهجرة، وقد اتخذت هذه الأخيرة شكلا أساسيان:

هجرة داخلية من القرى إلى المدن؛ وما صاحبها من مشاكل في السكن والعمل حيث انتشرت المجالات الغير مهيكلة وانتشر البناء العشوائي ودور الصفيح، وهو الأمر الذي أدى الى تفشي الظواهر الاجتماعية السلبية كالبطالة ،والفقر، الهشاشة…

هجرة خارجية: من البادية نحو أوروبا: فالعديد من القرى توجه أبناؤها للهجرة نحو أوروبا حيث تزايدت أعداد المهاجرين بكل من اسبانيا وفرنسا وبلجيكا، فالظروف المناخية وما صاحبها من مشاكل كانت سببا كافيا للبحث عن فرص جديدة للعيش، وايجاد بدائل أخرى بعد استحالة البقاء في هذه المناطق التي أصبحت أرضا خلاء بعد ما كانت تعج نشاطا في انتظار تغيرات مناخية جديدة علها تنذر ببزوغ فجر جديد.

  خاتمة:

بالنظر الى تعدد مداخل وأوجه الحماية البيئية، فإن العالم عرف ميلاد آلاف الجمعيات والمنظمات التي تتخذ من البيئة في جوانبها المتعددة موضوعا لها، فإلى جانب ما تقوم به من أعمال التوعية والتأطير في المجال البيئي؛ فإنها اليوم صارت رقما أساسيا لا يمكن تجاوزه سواء في إعداد المخططات والبرامج والقوانين لحماية البيئة وتنفيذها، أو سواء على مستوى تنصيب نفسها كمدافع عن البيئة إن على المستوى الوطني أو الدولي.

وللوقوف في وجه هذه المتغيرات فإن هذه الدراسة تقترح:

على المستوى الوطني:

نشر الوعي البيئي في أوساط المجتمع من خلال وسائل الاعلام من أجل توعية الناس بمخاطر التغير المناخي.

المشاركة في الندوات والمؤتمرات ؛وأوراش العمل والحلقات التشاورية لتقييم الخطر البيئي والمناخي للحد من استفحال المشكل.

وضع آليات للمساعدة والوقاية من المخاطر البيئية والمناخية وما ينجم عنها من كوارث.

تنفيد مشروعات وقائية وبرامج للتكيف مع هذه المتغيرات مثل مشروعات مكافحة التصحر ومقاومة الجفاف ورصد الزلازل والوقاية منها ، والرصد القبلي لها والقيام بمد القنوات والسدود للوقاية من الفيضانات، إعداد برامج هيكلية للحفاظ على ما تبقى  من الغابات وتقويتها ومحاولة خلق توازن إيكولوجي يشمل الانسان والحيوان والنبات.

تسخير الامكانيات البشرية والتقدم التكنولوجي في ما يخدم البيئة.

إعداد برامج بيئية في المناهج التعليمية لغرس قيم الحفاظ على المشترك الانساني وجعل احترام البيئة محورا ومدخلا أساسيا في التنمية.

استغلال ودعم برامج الطاقات البديلة عن طريق استغلال الطاقات الكامنة والإمكانات المتاحة.

وضع مخططات وبرامج للاستغناء التدريجي عن الطاقات الأحفورية أو على الأقل تقليص الاعتماد عليها.

وضع مخططات للصناعات الصديقة للبيئة على أساس اعتبارها صناعات الجيل الجديد أو صناعات المستقبل.

تعزيز آليات التحذير الوطنية ودعم برامج الرصد والتتبع.

دعم مراكز الأبحاث التي تهتم بالبيئة.

دعم مراكز التكوين والأبحاث الهندسية التي تهتم بالبيئة.

دعم فعاليات المجتمع المدني التي تهتم بالبيئة.

على المستوى الدولي:

إقامة الشراكات مع المنظمات  الدولية والإقليمية.

القيام بمشاركة في النشاطات الدولية التي تهتم بالبيئة.

استضافة المؤتمرات والندوات الدولية التي تهتم بالبيئة.

تعزيز التعاون وفتح جسور تبادل الخبرات بين فعاليات المجتمع المدني.

نقل الخبرات في مجال التكنولوجيا البيئية عن طريق دعم البحث العلمي وإرسال البعثات الطلابية للتكوين في هذا المجال.

التعاون الدولي المشترك للحفاظ على البيئة وتفعيل الاتفاقات الاقليمية والدولية بشأنها.

 

للتواصل: Fouad.rbaa80@gmail.com

 

عن إدارة الموقع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *