تابع المركز المغربي لحقوق الإنسان بقلق بالغ ما كشفته التسريبات الأخيرة المنسوبة لأعضاء ما يسمى بـ”لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية” التابعة للهيئة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، والتي تضمنت ألفاظا نابية وتصرفات مهينة في حق الصحفي حميد المهداوي، معتبرا أن تلك المشاهد – في حال تأكدت عبر تحقيق محايد – تمثل انحرافا مروعا عن روح الحياد والنزاهة التي يفترض أن تحكم عمل أي هيئة مخولة بالبت في مستقبل المهنيين داخل القطاع.
وأكد المركز أن خطورة الواقعة تتجاوز مضمون العبارات المشينة، لتكشف عن خلل بنيوي عميق يضرب في صميم مؤسسة يفترض أن تكون الضامن الأول لأخلاقيات المهنة والحامية لحرية الصحافة ولقيم الاستقلالية والمسؤولية. وشدد على أن ما ظهر في التسجيلات يعطي مؤشرات مقلقة حول استعمال الموقع المؤسساتي لأغراض غير مشروعة، بما يتنافى مع المبادئ الدستورية ومع قواعد السلوك المهني ومع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وذكر المركز أن أي انحياز مسبق أو استهزاء بالصحافيين أو توجيه للقرارات داخل هيئة تأديبية يشكل انتهاكا صارخا للفصول الدستورية الضامنة لحرية الفكر والتعبير والصحافة، وسلوكا يقوض جوهر العدالة المهنية ويجرد المؤسسات من استقلاليتها ويحولها إلى أدوات لإخضاع المخالفين بدل حماية حقوقهم وضمان شروط المحاكمة المهنية العادلة.
وفي الوقت الذي أكد فيه المركز احترامه لكرامة جميع الأطراف ولقرينة البراءة، شدد بنفس القوة على أن ذلك لا يعفي الأفراد ولا المؤسسات من تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية في حال ثبوت تجاوزات تمس نزاهة عملية التأديب المهنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة يفترض أن تضطلع بدور حساس في ضبط قطاع يشكل السلطة الرابعة داخل المجتمع.
وأعرب المركز المغربي لحقوق الإنسان عن إدانته الشديدة لهذه السلوكيات، معتبرا أنها – في حال صحتها – تضعف الثقة في الهيئات التنظيمية وتهدد استقلاليتها وتحولها من فضاء لحماية أخلاقيات المهنة إلى منصة لممارسات انتقامية تنشر الخوف وتقمع حرية الرأي داخل الجسم الصحافي. كما دعا إلى فتح تحقيق مستقل ومحايد وعاجل للكشف عن حقيقة ما جرى وترتيب المسؤوليات القانونية والمؤسساتية دون تردد.
ورفض المركز محاولات تحويل مسار النقاش نحو عملية التسريب نفسها، معتبرا أن التركيز على “من سرب” بدل “ما سُرب” محاولة مكشوفة لإلهاء الرأي العام. ودعا النيابة العامة إلى الاضطلاع بدورها الكامل في التحقيق والنظر في الأفعال الواردة في الفيديو، واتخاذ الإجراءات اللازمة في مواجهة كل سلوك قد يشكل خرقا للحياد الواجب داخل الهيئات التنظيمية.
كما طالب الجهات الوصية بوضع حد لما وصفه بـ“التسيب والفلتان” الذي يعصف بالهيئة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، نتيجة غياب الديمقراطية الداخلية وغياب الرقابة والمحاسبة، داعيا إلى معالجة الملف بصرامة وشفافية من قبل جهة محايدة، واتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة الاعتبار للهيئات التنظيمية، وضمان ألا تتحول مناصب المسؤولية داخلها إلى أدوات لتصفية الحسابات أو للتحكم في مصائر الصحافيين.
وختم المركز بالتأكيد على أن المساس باستقلالية تنظيم الصحافة يشكل ضربا مباشرا للديمقراطية، ويحذر من أن استمرار هذا الوضع سيعمق مناخ الخوف داخل الجسم الإعلامي ويشلّ قدرة الصحافة على أداء أدوارها الدستورية. كما عبّر عن تضامنه الكامل مع الصحفي حميد المهداوي ومع كل الصحافيين المتضررين من قرارات تعسفية، مؤكدا أنه سيواصل متابعة هذا الملف عن كثب دفاعا عن حقوق الإنسان وصونا لحرية الصحافة باعتبارها ركنا أساسيا لدولة القانون.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
