الرئيسية / أعمدة الجسور / محمد العمارتي: المحكمة الجنائية الدولية تحت ضغط التهديد الأمريكي.. أية دلالات في ضوء القانون الدولي؟

محمد العمارتي: المحكمة الجنائية الدولية تحت ضغط التهديد الأمريكي.. أية دلالات في ضوء القانون الدولي؟

أولا: الولايات المتحدة الأمريكية والمحكمة الجنائية الدولية: علاقات متوترة ومواقف أمريكية انتقائية ومتناقضة

لا يخفى على المهتمين بقضايا القانون الدولي لحقوق الإنسان والمشتغلين منهم خاصة على العدالة الجنائية الدولية أن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية   بالمحكمة الجنائية الدولية، ظلت تتسم   بعداء شديد لهذه المحكمة منذ إنشائها في 2002. وتجلت المعارضة الأمريكية القوية للمحكمة في الرفض المطلق للانضمام إلى النظام الأساسي للمحكمة والانتقادات العنيفة والمتكررة التي ظلت توجهها الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى قضاة المحكمة والمدعين العامين والمتعاونين معهم، وإن بحدة نسبية ومتفاوتة بحسب طبيعة وأطراف القضايا والحالات التي قررت المحكمة النظر فيها وممارسة اختصاصاتها التي يخولها إياها نظامها الأساسي.

وتكشف العديد من التصريحات والمواقف والانتقادات والاتهامات والتهديدات والتدابير العقابية الأمريكية ضد المحكمة طيلة السنوات الماضية، أن العداء الأمريكي لهذه الهيئة القضائية الدولية، يكاد يعبر عن كون “الخطيئة الأصلية ” للمحكمة الجنائية الدولية تكمن في وجودها واستمرارها في البقاء في حدّ ذاته. ويلاحظ أيضا، أن السياسة الأمريكية المعادية للمحكمة كانت منذ بدايتها ولا زالت مطبوعة بقدر كبير من سوء الفهم لاختصاصات المحكمة وبالتناقض والازدواجية والانتقائية، ناهيك عن كون انتقاداتها المألوفة والمتكررة للمحكمة تعوزها أسس ومستندات قانونية قوية ومقنعة.

ويمكن على سبيل التذكير ببعض السوابق فقط الإشارة السريعة إلى أن إدارة الرئيس” جورج بوش ” كانت قد أبدت عداء قويا للمحكمة قبل أن تغيّر موقفها في سنة 2005 من أجل تأييدها وتدعيمها لقرار إحالة الوضع في إقليم دارفور بالسودان على أنظار مجلس الأمن، معترفة بذلك أن المحكمة الجنائية الدولية هي الهيئة القضائية المؤهلة للتصدي للجرائم الدولية التي ارتكبت على نطاق واسع في هذا الإقليم. أما الرئيس الجمهوري “ترامب ” فقد صعّد إبان ولايته الأولى من حدّة هجومه على المحكمة الجنائية الدولية في سنة 2020 وقرر عقوبات مهينة في حق المدعية العامة السابقة ” فاتو بن سودة “، بعلة التحريات والتحقيقات التي تولاها مكتبها بشأن احتمال ارتكاب عناصر القوات الأمريكية لجرائم في أفغانستان تندرج في نطاق اختصاص المحكمة.  بيد أن المعارضة الأمريكية الشرسة لفتح المحكمة لأي تحقيق أو إجراء أية متابعة أو محاكمة للمواطنين الأمريكيين، ما لبثت أن تراجعت عنها الإدارة الأمريكية لتعبر عن دعمها للتحقيقات التي باشرتها المحكمة بخصوص احتمال ارتكاب القوات الروسية لجرائم ضد الإنسانية في أوكرانيا بعد شن روسيا للحرب على هذه الدولة في سنة 2022، كما أنها أيّدت رسميا في سنة 2023 إصدار المحكمة لمذكرة اعتقال دولية في حق الرئيس الروسي ” بوتين «وقرار متابعته بسبب ارتكاب القوات الروسية لانتهاكات جسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة.

وقد تأكد الطابع الانتقائي والمزدوج للموقف الأمريكي من المحكمة بشكل أكثر وضوحا حين معارضتها الشديدة خلال ولاية الرئيس “بايدن” لإصدار مذكرات اعتقال دولية ضد الوزير الأول لإسرائيل ” ناتانياهو” و وزير الدفاع الإسرائيلي  الأسبق ” غالان”، ثم أصبحت هذه المعارضة أشد تطرفا أثناء الولاية  الثانية للرئيس “ترامب” الذي أصدر  في فبراير 2025 مرسوما رئاسيا ( رقم 14203)، قرر بموجبه تنفيذ سلسلة عقوبات مختلفة تستهدف قائمة من قضاة المحكمة في مقدمتهم المدعي  العام السابق ” كريم خان” ، وتم توسيع هذه القائمة في يونيو وغشت من نفس السنة لتشمل قضاة ومسؤولين آخرين بالمحكمة.

وإذا كانت العلاقات المتوترة بين (و، م، أ) والمحكمة الجنائية الدولية، والمواقف الأمريكية المتقلبة والمتشنجة والمتناقضة تجاه المحكمة ليست أمرا جديدا، فإن ما يثير الانتباه في الأشهر الأخيرة كون هذه العلاقات عرفت فصلا جديدا من الصدام بينهما تميز بالضغط الأمريكي المتزايد على المحكمة. ويتجلى الرفع من منسوب هذا الضغط في صدور الإعلان الرسمي الذي وقعه كاتب الدولة الأمريكي ” ماركو روبيو” في 13 يوليوز 2026 (تصريح منشور على شكل عمود في  صحيفة “وول ستريت جورنل” عدد 13 يوليوز 2026 ” لماذا نعمل على تفكيك المحكمة الجنائية الدولية؟”) ، ليعلن فيه بشكل قاطع عزم حكومة بلاده على “هدم” و “تدمير” المحكمة الجنائية الدولية ” حجرة حجرة إذا دعت الضرورة الى ذلك”، واستخدام ” جميع الوسائل المتاحة ” للحكومة لشل وتعطيل قدرة المحكمة على استهداف عناصر الجيش الأمريكي أو المسؤولين الأمريكيين أو تهديد سيادة الولايات المتحدة بأي شكل كان . ومن بين التدابير التي قررت الحكومة الأمريكية اتخاذها في هذا الاتجاه، تشديد العقوبات على المحكمة والمتعاونين معها وسحب تأشيرات الدخول الى الولايات المتحدة ومنع موظفي المحكمة من الدخول إليها، بالإضافة إلى ممارسة الضغط الدبلوماسي على الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة لتحريضهم ضدها وحثهم على الانسحاب منها وتشديد المراقبة على الدول التي تستفيد من المساعدات والدعم الأمريكي في المجال الأمني والعسكري مع استمرارها في الاعتراف بسلطة المحكمة الجنائية الدولية.

إن هذا التهديد العلني يتسم بقوة نبرته العدوانية تجاه المحكمة الجنائية الدولية التي لا تعتبر الولايات المتحدة طرفا في نظامها الأساسي، والذي يبلغ عدد الدول الأطراف فيه 125 دولة، بالإضافة إلى أن هذا الضغط الأمريكي بلغ درجة قصوى حيث تمثل في 18 غشت 2026 في فرض تدابير عقابية صارمة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية القاضية اليابانية ” تاموكو أكان” والقاضي السينغالي ” عبدلاي ساي” أحد مساعدي النائب العام للمحكمة.

وتكتسي هذه التدابير العقابية الأخيرة دلالة رمزية واضحة، لأنها على خلاف العقوبات السابقة، تستهدف رئيسة المحكمة، الأمر الذي يعكس تحول ممارسة الضغط الأمريكي ليس على قضاة المحكمة ومساعديهم فقط، وإنما إلى الهجوم على قمة الإدارة القضائية للمحكمة والنيل من سلطتها المعنوية على الصعيد العالمي، لا سيما أنها تحمل جنسية اليابان التي تعتبر من أكبر المساهمين في ميزانية المحكمة ومن الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة.

ويطرح هذا التصعيد الأخير بالتأكيد  ومن زوايا  مختلفة ، عددا من الأسئلة  التي لا يمكن التطرق إليها كلها   ، وحسبنا  في هذا المقال ،  التركيز على ما يتضمنه القانون الدولي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من أجوبة و أسس و أسانيد يمكننا الاستعانة بها لتبيان مدى افتقار الانتقادات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية إلى الحجج القانونية الدامغة، و كشف الضعف والزيف الذي يشوب ادعاءات الإدارة الأمريكية ومنازعتها على سبيل الإطلاق  في اختصاص المحكمة  في متابعة ومحاكمة المواطنين الأمريكيين .ولا بدّ من التوضيح أيضا  ، أن الادعاءات  والمزاعم الأمريكية لا تعزى قطعا في نظرنا إلى عدم إلمام  خبراء ومستشاري الإدارة الأمريكية بأحكام القانون الدولي ذات الصلة ، وإنما ترجع في غالب الظن، إلى سعيهم  لتحوير و تطويع النصوص القانونية الدولية وتأويلها المتعسف، و تحميلها ما لا تحتمل بهدف تسويغ  الموقف  السياسي الأمريكي المناهض للمحكمة و والمبالغة والتهويل من أسباب    المنازعة والطعن  في شرعيتها و التشكيك في استقلالها وحيادها .

ثانيا: مسألة اختصاص المحكمة للنظر في الأفعال المنسوبة إلى مواطني الولايات المتحدة الأمريكية

توحي تصريحات كاتب الدولة الأمريكي أن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها أن تمارس اختصاصها القضائي- وفقا لمشيئتها ودون قيد أو شرط- في التحقيق مع المواطنين الأمريكيين ومتابعتهم ومحاكمتهم. إن هذا التأويل لاختصاص المحكمة يجانب للصواب ويتعارض بشكل جلي مع منطوق المادة 12 للنظام الأساسي للمحكمة الذي يقيّد ممارستها لاختصاصها الإقليمي في ” [الدولة التي تصبح طرفا في هذا النظام الأساسي […] والتي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة 5 من هذا النظام]، (جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان).

وهكذا يتضح ان ولاية المحكمة لا تشمل سوى أقاليم الدول التي انضمت بمقتضى ممارستها الحرة لسيادتها إلى النظام الأساسي للمحكمة، وقبلت بالتالي الاختصاص القضائي للمحكمة في الأقاليم الخاضعة لسلطة هذه الدول.

وبالمقابل، تعتبر المحكمة مختصة لمتابعة ومحاكمة كل شخص كيفما كانت جنسيته – في حالة ثبوت شبهة ارتكابه في هذه الأقاليم لأفعال جرمية دولية مشمولة بالاختصاص الموضوعي للمحكمة.

وفي حقيقة الأمر، إن مسألة اختصاص المحكمة في هذه الحالات لا تتعلق سوى بآلية نقل الاختصاص الإقليمي، الذي تمارسه الدولة استنادا الى سلطتها السيادية، في محاكمة أي شخص أجنبي ارتكب أفعالا جرمية في إقليمها، وتحويل هذا الاختصاص إلى النطاق الدولي. وإذا ما نظرنا إلى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية من هذه الزاوية، فإنه يصبح أمرا عاديا ولا يكتسي بالأحرى أي طابع استثنائي بشكل خاص كما يوحي به الموقف الأمريكي.

وعلى أساس هذا التصور الذي يكرسه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فليس ثمة ما يحول أو يمنع من أن يكون الأشخاص الذين يحملون الجنسية الأمريكية موضوع تحقيقات ومتابعات أمام هذه المحكمة، بشرط وجود قرائن كافية على ارتكابهم أو مشاركتهم أو تورطهم في وقوع جريمة دولية بطبيعتها في إقليم إحدى الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وقد كانت هذه الفرضية هي التي علّلت في سنة 2020 ترخيص المحكمة لمكتب المدعي العام إجراء التحقيقات بشأن الأفعال الجرمية المنسوبة إلى القوات الأفغانية، وأيضا إلى عناصر من قوات الجيش الأمريكي ومن وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إي)، لا سيما أن هذه الأفعال التي كان من المحتمل ارتكابها في أفغانستان قابلة للتكييف والتوصيف القانوني كجرائم حرب.

ومن المعروف أن هذا القرار قد أثار استياء وغضب الرئيس الأمريكي  “ترامب” الذي عرّضت إدارته قضاة المحكمة ومدّعيتها العامة آنذاك لحملة عدائية عنيفة للطعن في شرعية القرار، واتهام المحكمة بالتسيييس و الانحياز والتحيّز وانتهاك السيادة الأمريكية وتهديد مصلحتها الوطنية، بالإضافة الى حشد الدعم الدبلوماسي الدولي لدعم الموقف الأمريكي الرافض لخضوع مواطنيها لولاية المحكمة.

و بناء على ما تقدم، يجدر التأكيد أن الولايات المتحدة الامريكية لا تبدي نفس التحفظ أو الاعتراض على قرارات المحكمة الجنائية الدولية عندما يتعلق الأمر بتوسيع نطاق اختصاصها ليشمل دولة أخرى بإحالة من مجلس الأمن ، وذلك طبقا لما تنص عليه المادة 13 (ب) من النظام الأساسي للمحكمة (…إذا أحال مجلس الأمن ، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، حالة على المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر [من هذه الجرائم]  قد ارتكبت )، وتعتبر حالة السودان أوضح مثال على تدخل مجلس الأمن بموجب قراره الصادر في 2005 ( رقم 1593) ،لإحالة الوضع في إقليم دارفور على المدعي العام للمحكمة  اعتبارا لكون هذا الوضع يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين .

ثالثا: الآثار القانونية للتهديدات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية؟

إن تواتر التهديدات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية وبلوغها حدّا غير مسبوق في التصريح الأخير لكاتب الدولة، الذي لوّح بتقويضها وشلّ قدرتها على الاضطلاع بولايتها، يثير من وجهة القانون الدولي سؤال القيمة القانونية لهذه التهديدات، وماهي الآثار التي يمكن أن تترتب عنها في حالة تنفيذها على ممارسة المحكمة لاختصاصها القضائي وفقا لنظامها الأساسي.

ولعلنا لا نبالغ بالجزم أن هذه التهديدات رغم ما تنطوي عليه من نبرة حازمة، وما قد تبعث عليه من قلق على مآل المحكمة، فإنها تعتبر فاقدة لأي قيمة قانونية. ونستمد حجتنا في هذا الطرح من المقتضيات الواضحة للنظام الأساسي للمحكمة، الذي يخول الحق لأي دولة – وفي هذه الحالة الولايات المتحدة – أن تنازع في اختصاص المحكمة في إجراء التحقيق ومتابعة ومحاكمة أحد مواطنيها، مستندة على الدفع بمبدأ التكامل الذي ينظم علاقة المحكمة الجنائية الدولية بالمحاكم الوطنية. (…. وإذ تؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية – ديباجة النظام الأساسي). وقد جعلت المادة 17 من النظام الأساسي للمحكمة التي تنظم المسائل المتعلقة بشروط المقبولية، مبدأ التكامل شرطا من المفروض مراعاته من أجل انعقاد الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية للنظر في الدعاوى.

فوفقا للمادة (17 – أ) [تقرر المحكمة أن الدعوى غير مقبولة في حالة:

أ- إذا كانت تجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوى دولة لها ولاية عليها، ما لم تكن حقا غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك.].

وعلى هذا الأساس، تعتبر المحكمة الجنائية الدولية غير مختصة (من زاوية المقبولية: (recevabilité للنظر في الدعوى، في حالة ما إذا كانت الأفعال موضوع المتابعة قيد التحقيق او المتابعة أو المحاكمة أمام محكمة وطنية. ومن ثم، يمكن للولايات المتحدة – في هذه الفرضية- أن تحتج بكون محاكمها الوطنية قد وضعت يدها للنظر في الأفعال المعروضة على المحكمة الجنائية الدولية.

بيد أن هذه الفرضية تبدو غير واردة بفعل الواقع، مادامت الحكومة الأمريكية تعتبر تدخل قواتها العسكرية في عدة مناطق من العالم سلوكا مشروعا يستند على حقها في حماية سيادتها والدفاع عن مصالحها الوطنية.

وبالتالي، إن المراهنة على المحاكم الأمريكية لمباشرة التحقيقات ومتابعة ومحاكمة مواطنيها من عناصر الجيش او غيرهم من المسؤولين مهما كانت مناصبهم، بسبب ارتكابهم لأفعال قابلة لأن تكيف كجرائم إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو جرمة عدوان، يبدو احتمالا ضعيفا للغاية، إذا لم نقل ضربا من الوهم في ظل الموقف الأمريكي الراهن.

وفي هذه الحالة، سنكون أمام امتناع المحاكم الأمريكية عن الاضطلاع باختصاصها القضائي الإقليمي وعدم رغبتها في ممارسته، وهي الفرضية التي يتوفر عند تحققها السند القانوني لانعقاد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية.

لكن توفر السند القانوني لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لا يبرر مع ذلك الاستهانة بتأثير التهديدات الأمريكية وضغوطها على هذه المحكمة، والجزم بأنها ليست سوى حبرا على ورق أو مجرد لغو عديم التأثير في الواقع.

وقد أشرنا في هذا الصدد إلى حالة أفغانستان أمام المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن قررت غرفتها الاستئنافية الترخيص في مارس 2020 للمدعي العام فتح تحقيقاته حول الجرائم التي تندرج في نطاق اختصاصها والمرتكبة في هذا البلد منذ مايو 2003. وقد ترتب عن قرار فتح التحقيق إلى رد فعل مباشر وسريع للرئيس الأمريكي ” ترامب” الذي أصدر أمرا رئاسيا (رقم 13928 في 11 يونيو 2020) بتنفيذ عقوبات ضد عدد من مسؤولي المحكمة وقضاتها والمتعاونين معها، تمثلت خاصة في تجميد أموالهم المودعة في الولايات المتحدة ومنعهم من الدخول إليها. وتكررت نفس الحالة والعقوبات ضد بعض قضاة المحكمة في فبراير 2025 بعد إصدارهم في نونبر 2024 – في ذروة الحرب الإسرائيلية المدمرة على السكان المدنيين في غزة-

ضد “نتانياهو” و “يوهاف غالان”.

ومما لا جدال فيه، أن تنفيذ هذه العقوبات التي تستهدف قضاة المحكمة ومسؤوليها والمتعاونين معها بأي شكل من الأشكال، تعتبر اعتداء غير مسبوق على استقلال أعضاء المحكمة الجنائية الدولية وتعطيل متعمد وتعسفي لاضطلاعها بمهامها كهيئة قضائية للعدالة الجنائية الدولية.

ومن البديهي أن هذه التهديدات الأمريكية المتوالية، وإصدار عقوبات انتقامية متعددة في حق قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها، تعتبر تحديا صارخا لنظام العدالة الجنائية الدولية وإنكارا صريحا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب الذي أنشئت المحكمة على أساسه. ومن ثم، إن إصرار الولايات المتحدة على التخلص من المحكمة الجنائية الدولية بتفكيكها وتدميرها، يسائل جميع الدول الأطراف في النظام الأساسي لهذه المحكمة، فما هو المنتظر أن تقوم به هذه الدول كرد فعل على التهديدات الأمريكية لمحكمة دولية ليست طرفا فيها أصلا، ومقاومة التضييق والضغوط القوية عليها من أجل حماية المحكمة وتدارك خطر تصفيتها؟

من المؤكد أن الدول الأطراف في نظام روما توجد في وضع دبلوماسي في غاية الصعوبة، خاصة ان البلاغ الذي نشره كاتب الدولة الأمريكي في 13 يوليوز 2026، لم يخف عزم الحكومة الأمريكية على التقييم العميق لعلاقاتها مع الدول التي لا زالت تمتنع عن رفض “السلطة الزائفة” للمحكمة الجنائية الدولية وتستمر في نفس الوقت في الاعتماد والاتكال على المساعدات الأمريكية. وفي نفس الاتجاه، حث هذا البلاغ الدول الشريكة للقوات الأمريكية على رفض وتجاهل “السلطة المزعومة” للمحكمة الجنائية الدولية في متابعة ومحاكمة المسؤولين الأمريكيين وعناصر القوات المسلحة الأمريكية.

ويتضح من هذه التصريحات المتعاقبة أنها تنطوي على تهديد صريح للدول التي تخضع لتبعية كبيرة للولايات المتحدة في المجال الاقتصادي والأمني والعسكري.

وبالرغم من خطورة هذه التهديدات، إن الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يمكنها مع ذلك أن تؤكد دعمها للمحكمة وتمسكها ببقائها، غير أن الملاحظ إلى غاية كتابة هذا المقال، أن الحملة المعادية للمحكمة التي يخوضها ” ماركو روبيو” لم تثر أي موقف أو رد فعل جماعي من الدول الأطراف. فباستثناء بعض التصريحات المتفرقة لعدد قليل جدا من الدول التي دعمت المحكمة (اليابان، كندا، بلدان أوروبية، أوغندا)، أو دولتي فنزويلا وتشاد التي قررت – لكن بمبررات مختلفة- الانسحاب من المحكمة، لم يظهر بعد ما يؤشر على تبلور موقف جماعي وموحد وحازم للدول الأطراف لمواجهة التهديد الأمريكي للمحكمة.

وما يبعث على الأسف والاستغراب أن البلاغ التهديدي الأمريكي الذي يستهدف مستقبل المحكمة ويتوعد بمحوها من الوجود قد تم نشره على نطاق واسع في 13 يوليوز 2026، قبل أيام فقط من تاريخ 17 يوليوز الذي يصادف ذكرى

اعتماد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في   1998، الذي أصبح اليوم العالمي للعدالة الجنائية الدولية.

ومن غريب الصدف أن الرئيسة الحالية لجمعية الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نشرت بهذه المناسبة بيانا مهما شددت فيه على أهمية ترسيخ سمو سيادة القانون على الإفلات من العقاب.  واعتبرت في هذا البيان، أن “العدالة الجنائية الدولية تتمثل في إرساء سيادة القانون على الإفلات من العقاب، والمسؤولية على اللامبالاة والتعاون على التجزئة والانقسام “، كما أكدت على ” الالتزام الراسخ لجمعية الدول الأطراف بالحفاظ على استقلال المحكمة الجنائية الدولية وسلامتها ومستقبلها، داعية إلى توحيد صفوف الدول الأطراف وتعزيز دعمها للمحكمة ومسؤوليها والمتعاونين معها “.

ختاما، لا يسعنا إلا أن نتساءل، هل تستطيع الدول الداعمة للمحكمة والمساندة لها الإقدام على خطوة تكتسي قيمة و دلالة رمزية بنقل مقر جمعية الدول الأطراف من مقر الأمم المتحدة بنيويورك ، تعبيرا منها -على الأقل- عن إرادتها في الابتعاد عن دولة ما فتئت تعبئ كل قوتها الدبلوماسية وتأثيرها السياسي والاقتصادي  ،سعيا إلى تقويض وإلغاء هيئة قضائية دولية يتمثل هدفها الوحيد في إرساء دعائم العدالة الجنائية الدولية، والقطع مع مرحلة إفلات المسؤولين عن ارتكاب أشد الجرائم الدولية خطورة و  وأشدها صدمة للضمير الإنساني  من المتابعة والمحاسبة والمحاكمة والعقاب.

 

د. محمد العمارتي، أستاذ التعليم العالي سابقا بجامعة محمد الأول- وجدة وباحث في القانون الدولي وحقوق الإنسان

                            وعضو سابق في لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

عن إدارة الموقع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *