عادت الأنظار خلال الأيام القليلة الماضية لتتجه نحو مقر السفارة الجزائرية بالرباط، بعد أن شهد المبنى المهجور منذ صيف 2021، حركة غير معتادة تمثلت في انطلاق أشغال ترميم وصيانة شاملة شملت الواجهة والجدران وتنظيف الفضاءات الداخلية.
وتعد هذه الخطوة الأولى من نوعها منذ إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب قبل ثلاث سنوات، في قرار أحادي الجانب رفضت الجزائر بعده، وفق مصادر مطلعة، أي تدخل تقني أو إصلاحي بالمبنى، حتى في أبسط مستوياته.
غياب أي بلاغ رسمي من الجانب الجزائري بشأن هذه الأشغال، التي انطلقت قبل نحو أسبوع، زاد من حجم التساؤلات حول خلفيات هذه الخطوة ودلالاتها السياسية المحتملة. وبينما يرى فيها البعض مجرد صيانة دورية لمرفق دبلوماسي، يعتبرها آخرون مؤشرا على تحول وشيك في موقف الجزائر إزاء العلاقات مع المغرب.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي ودولي خاص، يتسم بتكثف المؤشرات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة، إلى جانب معطيات رمزية أثارت الكثير من التأويلات، أبرزها تكريم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للكاتب رشيد بوجدرة، المعروف بدعمه الصريح لمغربية الصحراء ووحدة التراب المغربي.
كما تتقاطع هذه المستجدات مع زيارة المبعوث الأمريكي الخاص، مسعد بولس، للجزائر ولقائه بالرئيس تبون، وهي الزيارة التي اعتُبرت مؤشرا على اهتمام أمريكي متجدد بقضايا شمال إفريقيا، وعلى رأسها العلاقات المغربية الجزائرية.
ورغم قرار القطيعة، حافظت الجزائر على حضور قنصلي محدود من خلال قنصليتها العامة في الدار البيضاء، مما أبقى على هامش بسيط للتواصل الرسمي غير المباشر بين البلدين.
من جانبه، ظل المغرب وفيا لموقفه القائم على التهدئة وعدم التصعيد، مجددا تمسكه بالحوار والانفتاح، حيث شدد الملك محمد السادس في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى الـ26 لعيد العرش، على أن قرار القطيعة جاء من الجزائر بشكل أحادي، مجددا التزام المغرب بسياسة اليد الممدودة، ومؤكدا أن بناء الاتحاد المغاربي لن يتم دون تعاون فعّال بين الرباط والجزائر.
وتبقى أشغال ترميم السفارة الجزائرية بالرباط تحت المجهر، في انتظار اتضاح مآلاتها، وما إذا كانت تشكل مقدمة لإعادة بناء جسور الثقة بين بلدين يجمعهما المصير الجغرافي والتاريخي المشترك، رغم سنوات القطيعة السياسية.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
