محمد العشوري.
تعرض مراسل جريدة «هبة بريس» بمدينة سبتة المحتلة، بحسب إفادته، لاعتداء جسدي من طرف عناصر من الشرطة الإسبانية، أثناء قيامه بواجبه المهني وتغطيته أوضاع المهاجرين غير النظاميين، في واقعة تثير من جديد علامات استفهام قوية حول مدى احترام السلطات الإسبانية لحقوق الصحافيين وضمان سلامتهم أثناء أداء مهامهم.
وأوضح المراسل أنه كان بصدد إنجاز تصريح صحافي مع أحد المهاجرين بالقرب من عناصر الهلال الأحمر الإسباني، قبل أن يطلب منه الانتقال إلى مكان آخر لاستكمال عمله. غير أنه، بمجرد وصوله إلى المكان المشار إليه، فوجئ بعدد من عناصر الشرطة الإسبانية يحيطون به، قبل أن يتعرض، وفق روايته، للدفع والسحب من ملابسه والضرب، رغم إبرازه صفته الصحافية ووجوده بالمكان لأغراض مهنية.
وتطرح هذه الواقعة، وغيرها، تساؤلات جدية حول تعامل السلطات الإسبانية مع الصحافيين الذين يؤدون واجبهم في الميدان، وحول مدى التزام الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون بالقواعد التي يفترض أن تضمن للصحافي ممارسة مهنته دون ترهيب أو تضييق أو عنف.
كما تفرض الحادثة على السلطات الإسبانية تقديم توضيحات واضحة بشأن ملابسات ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وفتح تحقيق جدي ومستقل في الادعاءات المتعلقة بالاعتداء، بما يضمن عدم إفلات أي طرف تثبت مسؤوليته عن التجاوزات من المساءلة، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الصفة الصحافية يجب أن تكون موضع احترام وحماية.
ولا تبدو هذه الواقعة، معزولة عن وقائع سابقة أثارت بدورها انتقادات واسعة، من بينها احتجاز طاقم القناة الثانية المغربية «2M» أثناء قيامه بتغطية الأحداث من سبتة، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية ظروف عمل الصحافيين المغاربة في المدينة ومدى توفر الضمانات الضرورية لممارسة المهنة بحرية وأمان.
وتضع هذه التطورات السلطات الإسبانية أمام مسؤولية سياسية ومؤسساتية واضحة، لاسيما أن إسبانيا تقدم نفسها، على المستوى الأوروبي والدولي، باعتبارها دولة ترفع شعارات رنانة تتغنى بالالتزام بحماية مبادئ حرية التعبير وحرية الصحافة واحترام حقوق الإنسان. ومن ثم، فإن حماية الصحافيين لا ينبغي أن تظل شعارا، بل يتعين أن تجد ترجمتها العملية في سلوك الأجهزة والمؤسسات على أرض الواقع.
كما أن المنظمات والنقابات والهيئات المهنية المدافعة عن حرية الصحافة مطالبة، بدورها، بالتعامل مع مثل هذه الوقائع بالجدية نفسها التي تقتضيها خطورة أي اعتداء على صحافي أثناء أداء مهمته، بعيدا عن الانتقائية أو الحسابات السياسية، لأن حرية الصحافة مبدأ لا يتجزأ ولا ينبغي أن يخضع للحدود الجغرافية أو للاختلافات السياسية.
وتثير المعطيات المتداولة بشأن ما يتعرض له بعض المهاجرين في سياق عمليات التدخل والمراقبة بسبتة، وما تتضمنه بعض المقاطع والشهادات المتداولة من ادعاءات بشأن سوء المعاملة، سؤالا موازيا حول الحق في التغطية الإعلامية المستقلة لهذه الملفات، وحول ضرورة تمكين الصحافيين من نقل الوقائع دون مضايقة، مع احترام القواعد القانونية والإجراءات المعمول بها.
إن الاعتداء على أي صحافي، لا يمثل مجرد واقعة فردية، بل يمس جوهر الحق في الحصول على المعلومة ونقلها إلى الرأي العام، ولذلك، فإن المطلوب من السلطات الإسبانية ليس فقط توضيح ملابسات هذه الواقعة، وإنما ضمان عدم تكرارها، والتأكيد عمليا على أن حماية الصحافيين واحترام حريتهم المهنية التزام مؤسساتي لا يقبل التجزئة ولا ازدواجية المعايير.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
