أكد مشاركون في ندوة علمية نظمت، أمس الأحد بجرسيف، أن تحقيق التمكين السياسي الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة يشكل مدخلا أساسيا لتعزيز الديمقراطية الدامجة، مشددين على ضرورة الانتقال من الشعارات العامة إلى تدابير إجرائية ملموسة تضمن لهذه الفئة ممارسة حقوقها بشكل كامل، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في شتنبر الحالي.
وأبرز المشاركون، خلال هذا اللقاء المنظم من طرف جمعيات مدنية وشركاء مؤسساتيين، أن المقتضيات الدستورية والقوانين التنظيمية توفر إطارا مرجعيا متقدما لحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه المكتسبات القانونية إلى واقع ملموس، سواء داخل مراكز الاقتراع أو في الهياكل التقريرية للأحزاب السياسية بمختلف ربوع المملكة.
وأشاروا إلى أن ندوة جرسيف تنعقد في سياق وطني يستدعي استحضار مبادئ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مؤكدين أن تعزيز المشاركة السياسية لهذه الفئة لا ينبغي أن ينحصر في يوم الاقتراع، بل يتعين أن يشمل الولوج المستقل إلى المعلومة الانتخابية، والحضور الفاعل في الحملات الانتخابية وعملية التصويت، فضلا عن ضمان التواجد المستحق ضمن لوائح الترشح.
وأوضح رئيس جمعية سواعد للتضامن والتنمية، محمد العشوري، أن تنظيم هذه الندوة يروم تحفيز النقاش العمومي المسؤول حول قضايا الإعاقة داخل المنظومة الانتخابية، مبرزا أن الشراكة بين المجتمع المدني والقطاعات الحكومية تمثل حجر الزاوية للانتقال من الاعتراف المبدئي بالحقوق إلى ممارستها الفعلية دون حواجز مادية أو رقمية.
وبيّن العشوري أن اختيار موضوع المشاركة السياسية يجسد التزاما راسخا بترسيخ المواطنة الكاملة لكافة المواطنين على قدم المساواة، مشيرا إلى أن المجتمع المدني يضطلع بمسؤولية الترافع المستمر وتقديم مقترحات عملية من شأنها دعم استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل المؤسسات المنتخبة وفي مواقع صناعة القرار.
من جهته، استعرض الباحث في القانون العام، عبد القادر بنعلي، قراءة تقويمية للإطار التشريعي المؤطر لانتخابات شتنبر 2026، محذرا من استمرار بعض العوائق القانونية، ولا سيما الحرمان من التصويت بسبب الحجر القضائي، داعيا إلى مراجعة فلسفية تميز بين الأهلية المالية والقدرة على التعبير عن الاختيار السياسي الجوهري.
ونبه بنعلي إلى وجود فجوة تنظيمية تتجلى، على الخصوص، في غياب الترتيبات التيسيرية المرتبطة بأوراق التصويت والمنصات الرقمية المخصصة للحملات الانتخابية، مستندا إلى معطيات البحث الوطني الثالث حول الإعاقة لإبراز حجم الفئة المعنية، وداعيا إلى اتخاذ تدابير استعجالية، من بينها تكييف مراكز الاقتراع وتوفير وسائل تواصل ناطقة ومكتوبة بطريقة برايل.
من جانبه، أكد الأستاذ الجامعي والباحث في قضايا الإعلام والتواصل الاستراتيجي، هشام كزوط، أن التحول الرقمي والإعلام الدامج يمثلان رافعة أساسية لتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من ممارسة حقوقهم السياسية، موضحا أن إتاحة المنصات الرقمية وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي يفتحان آفاقا واعدة لتجاوز معوقات الوصول إلى المعلومة والمشاركة والتأثير المباشر في النقاش العمومي.
وشدد كزوط على أن تمكين الشباب في وضعية إعاقة يقتضي تدريبهم على إنتاج المحتوى الرقمي الميسر وضمان استفادتهم الشاملة من التقنيات الحديثة، مؤكدا أن بناء مشاركة سياسية دامجة يستدعي الانتقال من مقاربة الإتاحة السلبية إلى اعتماد آليات للتمكين الفعلي، بما يسهم في بناء مواطن فاعل وقادر على التأثير في القرار التشريعي.
وفي مداخلة ثالثة، سلط الصحافي والفاعل الحقوقي، محمد العشوري، الضوء على الأدوار المنوطة بالمجتمع المدني وآليات الملاحظة الانتخابية المستقلة، موضحا، استنادا إلى إحصائيات رسمية، أن نسق الانتشار القروي للإعاقة يستوجب استحضار التفاوتات المجالية، وتعزيز الترافع من أجل توفير بيئة معمارية ومعرفية ميسرة، ولا سيما في المناطق النائية.
وأبرز العشوري أن التمكين السياسي يتطلب توسيع قاعدة الترشح الداخلي داخل الأحزاب السياسية وعدم الاكتفاء بنسب تصويت مجردة تفتقر إلى الفاعلية، مشيرا إلى أن انتخابات 2021 سجلت تطورا إيجابيا من خلال ارتفاع ترشيحات الأشخاص ذوي الإعاقة بنسبة ستين بالمائة، وهو ما يؤكد، بحسبه، إمكانية صناعة التغيير متى توفرت الإرادة.
وركز الفاعل الحقوقي على أهمية الملاحظة الانتخابية الدامجة لرصد مدى احترام الترتيبات التيسيرية وضمان سرية الاقتراع بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، مؤكدا أن تفعيل مبدأ “لا شيء يخصنا بدوننا” ينبغي أن يمتد إلى إشراك هذه الفئة في فرق رصد وملاحظة سير الاستحقاقات، بما يساهم في ضمان نزاهتها وشموليتها.
وأوصت الندوة بضرورة بناء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تصنف المشاركة السياسية حسب الجنس ونوع الإعاقة والمجال الجغرافي، كما دعت إلى إلزامية الولوجيات الشاملة في مختلف مراحل العملية الانتخابية، وتطوير مضامين إعلامية وحزبية متاحة بلغة الإشارة وبالصيغ الميسرة لفائدة كافة المواطنين.
ودعا المشاركون، في ختام أشغال الندوة، إلى حث الأحزاب السياسية على فتح هياكلها التنفيذية وترشيح الكفاءات من الأشخاص ذوي الإعاقة في مواقع متقدمة، مؤكدين أن تقييم الديمقراطية يرتبط بمدى قدرتها على إدماج مختلف الفئات، وتحويل التوصيات المدنية إلى قرارات مؤسساتية تضمن المساواة التامة في ممارسة المواطنة.
واختتمت الندوة بتأكيد المنظمين على نقل هذه الخلاصات إلى مختلف الجهات الحكومية والطبقة السياسية ووسائل الإعلام، بهدف الإسهام في إحداث التغيير المنشود، مع التذكير بأن نجاح الاستحقاقات المقبلة يقاس بمدى قدرة كل مواطن في وضعية إعاقة على ممارسة حقه الانتخابي باستقلالية وكرامة.
الجسور جرأة، مصداقية، مواطنة
